في الدول التي تسعى إلى بناء الإستقرار الحقيقي، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد القوانين المكتوبة فقط، بل بقدرتها على تحقيق العدالة المجردة من الأهواء والانقسامات والمصالح الضيقة.
فالعدالة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي حجر الأساس في حفظ الأوطان وصيانة كرامة الإنسان ومنع المجتمعات من الإنزلاق نحو الفوضى والإنتقام والكراهية.
وحين تغيب المعايير القانونية والأخلاقية، أو تُخضع لتوازنات الطوائف والحسابات السياسية، تتحول الدولة من مرجعية جامعة إلى ساحة نزاع مفتوح، يشعر فيها المواطن أن حقوقه مرتبطة بانتمائه لا بإنسانيته، وبقوة الجهة التي تحميه لا بعدالة القانون الذي يفترض أن يصون الجميع بالتساوي.
في لبنان، لم يعد خافياً على أحد أن النظام الطائفي، الذي نشأ تحت عناوين الشراكة والتوازن، تحول مع مرور الزمن إلى أحد أبرز أسباب تعطيل بناء الدولة الحديثة. فالانقسامات السياسية غالباً ما تُدار بخلفيات مذهبية وطائفية، وتُستخدم فيها القوانين والمعايير القضائية والإدارية بصورة إنتقائية، وفق ميزان المصالح والتحالفات لا وفق مبدأ العدالة المتساوية.
هذا الواقع انعكس بشكل خطير على مؤسسات الدولة كافة، وخصوصاً على السلطة القضائية والملفات المرتبطة بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها واقع السجون اللبنانية، التي باتت تمثل واحدة من أكثر الصور إيلاماً عن حجم التراجع الإنساني والقانوني في البلاد.
فالسجون في لبنان تعاني منذ سنوات من إكتظاظ خانق، ونقص حاد في الرعاية الصحية، وافتقاد لأبسط المقومات الإنسانية التي تحفظ كرامة السجين، سواء لناحية النظافة أو الغذاء أو الرعاية الطبية أو المساحات الملائمة للحياة الآدمية. وقد إزدادت هذه المعاناة مع الإنهيار الإقتصادي الذي أصاب البلاد، حتى باتت بعض السجون أقرب إلى أماكن للعقاب الجماعي والإهمال المزمن منها إلى مؤسسات إصلاحية يفترض أن تقوم على إعادة التأهيل وإحترام حقوق الإنسان.
لكن الكارثة الأكبر لا تكمن فقط في واقع السجون، بل في واقع أعداد كبيرة من الموقوفين الذين يقبعون خلف القضبان لسنوات طويلة من دون محاكمات عادلة وسريعة، وبعضهم من دون صدور أحكام نهائية بحقهم. فالتوقيف الإحتياطي، الذي يفترض أن يكون إجراءً إستثنائياً ومحدوداً، تحول في كثير من الحالات إلى عقوبة فعلية تسبق المحاكمة، وتدمر حياة الإنسان وعائلته ومستقبله قبل أن يقول القضاء كلمته الأخيرة.
وقد شهد لبنان حالات متعددة لأشخاص أمضوا سنوات طويلة في السجن قبل أن تصدر بحقهم أحكام براءة أو إسقاط للتهم، بعد أن كانوا قد خسروا أعمارهم وأعمالهم وإستقرار عائلاتهم. وفي كل مرة تخرج فيها مثل هذه الحالات إلى العلن، يبرز السؤال المرير: من يعوض على الإنسان سنوات عمره التي ضاعت؟ ومن يحاسب منظومة التأخير والإهمال والتمييز؟
إن العدالة البطيئة ليست عدالة، بل شكل آخر من أشكال الظلم المقنّع بالقانون.
وفي خضم هذا الواقع، يعود الحديث مجدداً عن مشروع العفو العام الذي يناقشه مجلس النواب اللبناني، وسط إنقسامات حادة وخطابات يغلب عليها الطابع الطائفي والسياسي أكثر مما يغلب عليها البعد الإنساني والوطني. فبدلاً من التعامل مع ملف العفو باعتباره فرصة لمعالجة تراكمات قضائية وإنسانية خطيرة، ولتصحيح أخطاء الماضي وفتح باب المعالجات والمصالحة الوطنية الشاملة، يجري التعاطي معه في كثير من الأحيان بمنطق الحصص والمكاسب والرسائل السياسية المتبادلة بين القوى والطوائف.
وهكذا يصبح السؤال عن هوية المستفيدين من العفو أهم من السؤال عن العدالة نفسها، وتصبح الخلفية الطائفية لبعض الملفات أكثر حضوراً من معاناة آلاف العائلات التي تنتظر حلاً ينهي سنوات الإنتظار والقهر.
إن العفو الحقيقي لا ينبغي أن يكون أداة لتبييض الجرائم أو تكريس الإفلات من العقاب، كما لا يجوز أن يتحول إلى مادة للابتزاز السياسي والطائفي. بل يفترض أن يكون جزءاً من رؤية وطنية متكاملة، تقوم على المصالحة العادلة، واحترام حقوق الضحايا، وتسريع المحاكمات، وتحسين واقع السجون، وإعادة الاعتبار إلى مبدأ المساواة أمام القانون.
فالدول لا تُبنى بالانتقائية، ولا تستقر بالثأر السياسي، ولا تُحمى بالتحريض الطائفي. وما يحفظ الأوطان فعلاً هو وجود قضاء عادل، ومعايير قانونية وأخلاقية ثابتة، ومؤسسات تنظر إلى الإنسان بوصفه مواطناً له كرامته وحقوقه، لا مجرد رقم في سجن أو ورقة في بازار السياسة.
وفي بلد مثل لبنان أنهكته الأزمات والانقسامات، تبقى العدالة الصادقة المدخل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من الدولة، وإعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته، قبل أن يتحول الظلم المتراكم إلى خطر يهدد الجميع.




