من غزة إلى لبنان وطهران: عندما تتغيّر الأساليب ولا ينتهي الصراع.. ولن ينتهي!.. بقلم: عماد العيسى

لا يمكن قراءة ما يجري في المنطقة من خلال ساحات منفصلة، أو مجرد أحداثٍ متفرّقة ،فالمشهد بكل تعقيداته، يتحرّك ضمن سياقٍ واحد، وإن اختلفت أدواته وتفاصيله بين طهران وبيروت وغزة.

ظاهريًا تبدو الملفات متباعدة، وهو في الواقع تعبير عن صراعٍ واحد يتغيّر شكله باستمرار، او حسب الأدوار.

في إيران تُدار المواجهة عبر قنواتٍ دبلوماسية متعدّدة، مفاوضات مفتوحة بلا حسم، وضغوط محسوبة الإيقاع وبشكل دقيق.

في غزة تأخذ الحرب شكلها الأكثر قسوة، وهي استمرار للهمجية الصهيونية، حيث القوة العسكرية تُستخدم بأقصى درجاتها، لكن دون قدرة واضحة على فرض نهاية سياسية حاسمة، ولم تؤدِّ الكلفة الإنسانية الهائلة إلى تحقيق الأهداف المعلنة بشكل كامل، بل فتحت الباب أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف.

أما في لبنان فالمشهد أكثر دقّة وخطورة، إذ تنتقل المواجهة تدريجيًا من الحدود إلى الداخل، بحيث يصبح الأمن المجتمعي ساحة اختبار بحد ذاته ولكن الملفت، انه ورغم الدمار والضغط العسكري، لم تُفرض معادلات جديدة حاسمة، ما يعني أن ما لم يتحقّق بالقوة، يجري البحث عن تحقيقه بوسائل أخرى.

ولكن رغم اختلاف الأدوات، يبقى القاسم المشترك واحدًا، عجز القوة الصلبة عن إنتاج نتائج ملموسة ولا نهائية، والانتقال إلى بدائل أكثر تعقيدًا.

بالعودة الى الملف الإيراني، فالتفاوض المستمر دون نتيجة نهائية يعكس إدارة للصراع لا حلًّا له، من هنا ندخل مرحلة مختلفة…

حرب بلا إعلان، بلا جبهات واضحة، لكن بأدوات أشدّ تأثيرًا، فالإقتصاد يتحوّل إلى سلاح، والإعلام إلى الميدان، وبطبيعة الحال يصبح الوقت نفسه إلى أداة استنزاف.

غير أن أخطر ما في هذه المرحلة يظهر بوضوح في لبنان، فإذا كانت غزة تُستنزف عسكريًا، وإيران تُستنزف سياسيًا واقتصاديًا، فإن لبنان يبدو مهدّدًا بنوعٍ آخر من الاستنزاف الداخلي،

فالفتنة هنا ليست احتمالًا نظريًا، بل أداة جاهزة للاستخدام.

إن إعادة إحياء الانقسامات، رفع مستوى الخطاب الطائفي، وتغذية الأزمات الاقتصادية، كلها عناصر يمكن أن تتحوّل إلى شرارات في بيئة هشّة أصلًا، بهذا المعنى يصبح لبنان ساحة نموذجية لمحاولة التعويض، وما لم يُفرض في الميدان، قد يُسعى إلى تحقيقه من داخل المجتمع، لكن هذه القراءة على أهميتها لا تعني أن المسار محسوم.

فالجهات التي صمدت في المواجهات المباشرة، تدرك أن الخسارة الداخلية قد تكون الأخطر، كما أن الوعي الشعبي رغم كل الضغوط، لم يعد كما كان في مراحل سابقة، حيث كلفة الانزلاق إلى الفتنة باتت معروفة للجميع، وهنا تتشكّل معادلة دقيقة…

طرف يحاول استعادة المبادرة بأدوات غير عسكرية، وطرف آخر مطالب بتحويل صموده إلى قدرة على إدارة الداخل، بين هذين المسارين، تتحرّك المنطقة بأكملها.

إن ما يجمع طهران وبيروت وغزة اليوم ليس فقط طبيعة التحديات، بل طبيعة المرحلة،

مرحلة لا تُحسم فيها الصراعات بضربة واحدة، بل تُدار على المدى الطويل، عبر تراكم الضغوط وتبدّل الأدوات لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد من ربح الحرب؟

بل من يمتلك القدرة على إدارة ما بعد الحرب؟

إن هذا النوع من الصراعات، قد لا تكون الهزيمة نتيجة معركة خاسرة، بل نتيجة إدارة سيئة للمرحلة التي تليها، من هنا يصبح الهدوء نفسه جزءًا من المواجهة، وتتحوّل السياسة إلى امتدادٍ للحرب، ويغدو الداخل في بعض الساحات أخطر من الحدود.

من الواضح أن المنطقة لا تتجه نحو نهاية صراع، بل نحو إعادة تشكيله، ومن لا يقرأ هذا التحوّل بدقّة، قد يجد نفسه يخسر في مرحلةٍ ظنّ أنها بداية الاستقرار.

 

 

Post Author: SafirAlChamal