ما بعد سايكس – بيكو: مخاطر وفرص في إعادة تشكيل المنطقة!.. بقلم: د. عبدالرزاق القرحاني

قبل أكثر من قرن، رسمت إتفاقية “سايكس بيكو” حدوداً لم تكن تعكس الواقع الإجتماعي أو التاريخي للمنطقة، بل خدمت توازنات القوى المنتصرة.  

وخضعت لنظام عالمي سياسي واقتصادي ومالي كان وما زال في خدمة القوى الكبرى.

 

مع تآكل النظام الإقليمي الذي نشأ بعد هذه الاتفاقية، تتجه المنطقة نحو إعادة تشكيل وفق موازين القوى المسيطرة والصاعدة.

 

ومع هذه التحولات المتسارعة في الإقليم والعالم، يبرز سؤال ملحّ: 

هل نحن أمام مرحلة “ما بعد سايكس–بيكو”؟ 

وإذا كان الأمر كذلك، فما هي المخاطر والفرص التي تحملها هذه المرحلة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية؟

 

إذا كان الخطر يكمن في التفكك، وفرض خرائط جديدة بالقوة، وتقاسم النفوذ بين القوى الدولية وإلاقليمية.

 

فإن الفرصة، في إعادة بناء نظام إقليمي قائم على المصالح المشتركة لا على الحدود المصطنعة.

 

وبقراءة سريعة للمشهد نرى على المستوى السياسي، أن العديد من دول المنطقة، أمام تحديات عميقة في مفهوم الدولة الوطنية. 

فضعف المؤسسات، وتنامي نفوذ الفاعلين غير الحكوميين، أعاد طرح فكرة اللامركزية أو حتى الفيدرالية كبدائل محتملة. 

الخطر هنا يكمن في الإنزلاق نحو التفكك أو الصراعات الطويلة الأمد، أما الفرصة فتتمثل في إعادة بناء الدول على أسس أكثر تمثيلاً وعدالة، تعكس التنوع المجتمعي وتحقق توازناً بين المركز والأطراف.

على المستوى الاقتصادي، تعاني المنطقة من إختلالات بنيوية، أبرزها الإعتماد على الموارد الطبيعية غير أن المخاطر تكمن في استمرار الانقسامات السياسية التي تعرقل هذا التكامل، إضافة إلى هشاشة البنى التحتية والمالية.. في المقابل، تبرز فرصة حقيقية لإعادة هيكلة الإقتصاد عبر التكامل بين الدول، على مستوى الطاقة، والمممرات التجارية، والموارد البشرية، والأسواق الاستهلاكية. 

 

ويبقى التحدي الأكبر كيفية معالجة الفراغات الأمنية التي نشأت بعد الحروب والنزاعات، والتي فتحت المجال أمام صعود جماعات مسلحة عابرة للحدود. هذا الواقع يهدد إستقرار كل الدول ويقوض سيادتها. لكن في المقابل، هناك فرصة لإعادة صياغة منظومات أمنية إقليمية مشتركة تقوم على التعاون وضبط الحدود، بما يحدّ من المخاطر ويعيد الإعتبار لمفهوم الأمن الجماعي.

 

أما إجتماعياً: فقد أدت النزاعات إلى تعميق الانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية، وتهجير ملايين السكان، ما خلق تحديات غير مسبوقة في النسيج الإجتماعي. إلا أن هذه الأزمات نفسها قد تفتح المجال لإعادة التفكير في مفهوم الهوية الوطنية الجامعة، بعيداً عن الانقسامات الضيقة. إلا أن الاستثمار في التعليم، وإعادة الإعمار، وتعزيز العدالة الإجتماعية، قد تشكل مدخلاً لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.

 

أمام هذه التحديات الكبرى، لم يعد الحديث عن التكامل بين دول المنطقة ترفاً فكرياً أو مشروعاً مؤجلاً، بل بات ضرورة وجودية. غير أن هذا التكامل لا يمكن أن يقوم فوق أرض رخوة أو واقع متصدّع. 

 

فقبل أي إندماج إقتصادي أو تنسيق سياسي، تبرز أولويتان لا بد منهما: وقف الانهيار أولاً، ثم تحقيق الاستقرار ثانياً، لتكونا المدخل الواقعي لأي مشروع تكاملي مستدام.

 

لأن الانهيار لا يهدد كل دولة على حدة فحسب، بل يقوّض أي إمكانية لبناء منظومة إقليمية متماسكة.

وإذا كان وقف الانهيار يعني “إطفاء النار”، فإن الاستقرار يعني “إعادة بناء الدار”. 

 

وبعد تثبيت الاستقرار، يصبح التكامل خياراً قابلاً للتحقيق، لا مجرد شعار. 

 

ختاماً: إن مرحلة ما بعد اتفاقية “سايكس بيكو” ليست قدراً حتمياً نحو الفوضى، كما أنها ليست فرصة تلقائية للنهضة. 

بل إنها لحظة مفصلية تتوقف نتائجها على قدرة دول المنطقة على تحويل التحديات إلى فرص. 

فبين التفكك والتكامل، وبين الصراع والاستقرار، تقف المنطقة أمام خيار إعادة رسم مستقبلها — لكن هذه المرة، بوعي وإرادة أبنائها، حيث تكرس نفسها حاجة وضرورة لاصدقائها وخصومها وأعدائها.

 


 

Post Author: SafirAlChamal