حين نلتقي من دون أن نكون قد التقينا!.. بقلم: د. ماري قرطام

ليس غريباً أن يلتقي اثنان فلا يعرف أحدهما الآخر.
الغريب هو أن يلتقيا، فيشعر كل منهما أنه يعرف الآخر منذ زمن بعيد.

هذا ما يحدث كثيراً بين الفلسطينيين.

التقيت هذا الأسبوع ابنَ ابنِ عمِّ أبي.
ليس مجرد قريب بعيد في شجرة العائلة، بل امتداد حقيقي لحكاية بدأت قبلنا بكثير.


هو ابن ناجي ابن مصطفى، أخ جدّي الوحيد، في شفاعمرو في فلسطين حيث عاش هناك وحيداً، منفصلاً عن عائلةٍ كانت مؤلفة من أخوين وأختين، تفرّقوا كما تفرّقت البلاد.

جاء محمد لزيارتي في باريس. جاء من جهة أخرى من الجغرافيا من داخل فلسطين، وفجأة، تسقط المسافة.

لا تعود المسألة تعارفاً.
تصير اعترافاً.

كأن شيئاً داخلك يقول: هذا مني.

ليس لأنك عشت معه، بل لأنكما عشتما الشيء نفسه، كل بطريقته.


الذاكرة نفسها، ولو بأصوات مختلفة.
الحكاية نفسها، ولو بتفاصيل متباعدة.
الخسارة نفسها، ولو بأشكال متعددة.

في تلك اللحظة، لا تشعر أنك تتعرف إلى شخص، بل أنك تستعيد جزءا منك.
جزءا كان غائبا، لا لأنه ضاع، بل لأنه مُنع.

وهنا تكمن القسوة.

كان يمكن أن يكون هذا لقاء عاديا بين شخصين تجمعهما قرابة بعيدة.
لكن ما حدث لم يكن عاديا أبدا.

منذ اللحظة الأولى، لم يكن هناك تردد، ولا حذر، ولا تلك المسافة الصغيرة التي تفصل عادة بين شخصين يلتقيان للمرة الأولى.
كأننا نعرف بعضنا منذ زمن طويل،
كأن الزمن الذي لم نعشه معا لم يكن عائقا، بل مجرد فراغ مؤقت امتلأ فور اللقاء.

جلسنا، تحدثنا، ضحكنا واستعدنا أسماءً لم نلتقِ بها، وقرى لم نعش فيها، وأشخاصاً رحلوا قبل أن نولد.
ومع ذلك، لم نشعر أننا نتعرف، بل أننا نتذكر.

كأن الذاكرة لم تكن فردية، بل مشتركة.
كأن ما نحمله في داخلنا أكبر من تجاربنا الشخصية.

هذا ما يحدث في تلك اللحظات:
لا تلتقي شخصا، بل تلتقي استمرارية.

تدرك فجأة أن العائلة لم تكن يوماً مجرد من عاشوا معك،
بل أيضاً من لم تتمكن من العيش معهم.

وأن ما انقطع لم ينتهِ،
بل بقي معلّقاً، ينتظر لحظة بسيطة – لقاء، نظرة، كلمة – ليعود ويتشكل من جديد.

لكن في قلب هذا الدفء، يسكن شيء آخر.

شيء أثقل.

لأنك تعرف أن هذا اللقاء، رغم بساطته، ليس طبيعياً.
تعرف أن ما يجب أن يكون عادياً – أن ترى قريبك، أن تزوره، أن تجلس معه بلا حساب – تحول إلى حدث استثنائي.

تعرف أن المسافة بينكما ليست فقط جغرافية،
بل مصنوعة من حدود، قوانين، وتصنيفات لم تخترها.

هو يستطيع أن يأتي،
وأنت قد لا تستطيع أن تذهب.

هو يعيش على أرض هي لك أيضا،
لكنها ليست متاحة لك بالطريقة نفسها.

وفجأة، يصبح اللقاء نفسه محملا بكل هذا الثقل.

حين غادر، لم يكن الوداع عاديا.
لم أشعر أنني أودع شخصاً فقط،
بل شعرت أن شيئاً مني يغادر معه.

ليس لأننا تعلقنا بسرعة،
بل لأننا لم نكن نبدأ من الصفر.

كان هناك شيء سابق علينا.
شيء يشبه الذاكرة،
لكن أعمق من الذاكرة.

شيء يشبه الانتماء،
لكن أوسع من المكان.

ربما لهذا، يبقى الفلسطيني متمسكاً بأرضه بهذا الشكل الذي يبدو أحياناً غير مفهوم للآخرين.

لأن الأرض ليست مجرد أرض.
هي ما يجعل هذه اللقاءات ممكنة دون أن تكون استثنائية.

هي ما كان يجب أن يجعل هذا الشاب جزءاً من يومياتي، لا زائراً عابراً.

هي ما كان يجب أن يجعل العائلة عائلة فعلاً، لا احتمالية مؤجلة.

ما نشعر به في تلك اللحظات ليس حنيناً بسيطاً.
إنه إحساس معقّد، يتكوّن من حبّ، وفقد، وغضب، ودهشة.

حب لأنك وجدت شخصاً يشبهك دون أن تبحث.
وفقد لأنك تعرف كم فاتك من هذا القرب.
وغضب لأن هذا الانقطاع لم يكن قدراً طبيعياً.
ودهشة لأن كل ذلك لا يزال حياً، رغم كل شيء.

في تلك اللحظة، تفهم شيئاً أساسياً:

أن الفلسطيني لا يتعرّف إلى الفلسطيني لأنه التقاه سابقاً،
بل لأنه يحمله داخله مسبقاً.

في الاسم،
في الحكاية،
في الأغنية،
في الخسارة،
وفي ذلك الإحساس الغريب بأن شخصاً لم تعشه يمكن أن يكون فجأة من أكثر الناس قرباً إليك.

لهذا، حين نلتقي، لا نسأل كثيراً: من أنت؟
بل نشعر، ببساطة عميقة لا تحتاج إلى شرح:

أنت لست غريباً.

أنت أنا،
في مكانٍ آخر،
وفي حياةٍ كان يمكن أن تكون لنا معاً.

 

Post Author: SafirAlChamal