تهديدات ترامب لإيران.. بين “الأهداف الضائعة” و”التصعيد الكارثي”!.. غسان ريفي

تشهد الحرب الأميركية الإسرائيلية – الإيرانية تحوّلاً واضحاً في طبيعة الأهداف المعلنة ومسار الخطاب السياسي المرافق لها، إذ انتقل سقف الطموحات من مشاريع أميركية كبرى تحدثت عن اسقاط النظام الإيراني بعد اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وسائر القادة السياسيين والعسكريين في اليوم الأول من العدوان، وانهاء قدرته الصاروخية الباليستية والقضاء على برنامجه النووي، إلى هدف أكثر محدودية يتمثل في ضمان أمن الملاحة واعادة فتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط والسفن التجارية. 

هذا التحول لا يشكل تعديلا تكتيكيا في مسار الحرب بل يعكس تراجعا في الأهداف الأميركية إلى حدود الإحراج، فرضته الوقائع الميدانية المتمثلة بصمود إيران واستيعابها الهجمات الأميركية والإسرائيلية وردها على تصريحات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو حول القضاء على قدراتها العسكرية بصليات صاروخية باليستية وفرط صوتية تصل إلى أهدافها في كيان الاحتلال وكان آخرها استهداف مدينتيّ ديمونا وعراد وسقوط أكثر من 120 من المستوطنين بين قتيل وجريح. 

في بداية التصعيد، بدا أن الإدارة الأميركية تسعى إلى اعادة رسم معادلات القوة في المنطقة عبر ضغط عسكري وسياسي واسع النطاق، إلا أن غياب الغطاء الدولي الكافي سرعان ما فرض قيوداً عملية على هذه الاستراتيجية. 

وقد شكّل فشل الرئيس ترامب في تدويل قضية مضيق هرمز محطة مفصلية، بعدما فضّلت دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” النأي بنفسها عن الانخراط العسكري المباشر، إدراكاً منها لحجم المخاطر المرتبطة بأي مواجهة مفتوحة مع إيران، ولقناعتها المطلقة بأن ترامب يخوض هذه الحرب كرمى لعيون إسرائيل ودفعا لفرض سيطرتها الكاملة على المنطقة ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد.

هذا الموقف، أثار غضب ترامب الذي انتقد إلى حدود التوبيخ دول حلف شمال الأطلسي، ودفعه إلى موقف أكثر تهورا عبر تهديداته بضرب منشآت الطاقة الإيرانية في حال لم تبادر الجمهورية الإسلامية إلى فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة انقضى منها أكثر من 36 ساعة.

تأتي هذه التهديدات ضمن محاولة ترامب إعادة انتاج معادلة ردع كبديل عن الأهداف الكبرى الضائعة التي روّج لها سابقاً، بهدف ضبط ميزان القوة أو تحسين شروط التفاوض، غير أن هذه المقاربة تنطوي على مخاطر مرتفعة، إذ إن أي استهداف للبنية الطاقوية الإيرانية قد يُقابَل بردود واسعة النطاق، في ظل امتلاك طهران خيارات متعددة للرد عبر ساحات إقليمية مختلفة، ما يرفع احتمالات فتح المواجهة على مصراعيها.

ويزداد المشهد تعقيداً بفعل التباين الجغرافي والاستراتيجي بين أطراف الصراع، فإيران، بحجمها الجغرافي الكبير (1.646 مليون كلم²) وتوزّع منشآتها الحيوية على مساحات شاسعة، تملك هامش امتصاص أعلى لأي ضربات عسكرية تطال منشآتها، في حين أن إسرائيل، ذات المساحة المحدودة (22 الف كيلومترا) والبنية التحتية المتقاربة جغرافياً، تبدو أكثر حساسية تجاه أي رد يستهدف منشآتها الحيوية. 

هذا الاختلال في طبيعة الجغرافيا العسكرية يجعل أي تصعيد متبادل محفوفاً بإمكانية احداث تأثيرات سريعة وعميقة، بما يعزز خطر الانزلاق نحو مواجهة يصعب ضبط إيقاعها.

ضمن هذه المعادلة، يجد دونالد ترامب نفسه أمام خيارين متناقضين سياسياً، فإما المضي في التصعيد ما يعني رفع مستوى الالتزام العسكري والتورط في مسار تصاعدي قد يتجاوز القدرة على التحكم بنتائجه، أو التراجع (وهو سلوك بات معهودا لترامب في ظل تصريحات متناقضة على مدار الساعة) للتخفيف من الأكلاف السياسية التي تتضاعف وتترجم المزيد من النقمة عليه في المجتمع الأميركي.

بين هذين الخيارين، تبدو الدبلوماسية غير المعلنة ومساعي الوسطاء احتمالاً قائماً، خصوصاً في ظل تصريحات إيرانية رسمية تؤكد عدم إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، ما يفتح نافذة لتسوية تسمح لترامب “بالنزول عن الشجرة”.

يبدو واضحا، أن الصراع القائم لا يسير نحو حسم عسكري بقدر ما يتجه إلى مرحلة من الاستنزاف تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية الدولية. فإعلان الانتصار في مثل هذه المواجهات قد يصبح مسألة صياغة سياسية أكثر منه نتيجة ميدانية حاسمة، فيما يبقى العامل الأكثر تأثيراً هو قدرة الأطراف على إيجاد مخرج يخفف التصعيد قبل أن يتحول الصراع حول مضيق هرمز إلى “ميني حرب” عالمية بتداعيات كارثية على الجميع.

 



 

 

Post Author: SafirAlChamal