لم تعد الحروب اليوم تُخاض بالصواريخ والطائرات فقط. ففي زمن التكنولوجيا والاتصالات المفتوحة، بات الهاتف نفسه ساحة من ساحات الحرب النفسية، وما شهدناه أخيراً من اتصالات إسرائيلية لمخاتير وبلدات لبنانية يندرج بوضوح في هذا الإطار، حيث يحاول العدو نقل المعركة من الميدان إلى داخل المجتمع نفسه.
المشهد يبدو في ظاهره مضحكاً، لكنه في جوهره مبكٍ. اتصال هاتفي يصل إلى مختار بلدة لبنانية، أو إلى أحد المواطنين، يتضمن تهديداً أو إنذاراً أو رسالة مبطنة، الهدف ليس فقط إخافة الناس، بل زرع الشك بينهم.
إنها محاولة واضحة لتأليب المجتمع على نفسه، ودفع الناس إلى الارتياب ببعضهم البعض، وكأن العدو يريد أن يقول للبنانيين إن الخطر ليس فقط من الخارج بل من الداخل أيضاً.
هذا الأسلوب ليس جديداً. فقد استخدمته إسرائيل في تجارب سابقة، ولا سيما في فلسطين، حين حاولت خلال الحروب الترويج لروايات تستهدف شق الصف الاجتماعي يومها جرى التلميح بأن الحرب لن تطال “أهل الإنجيل” في محاولة لإيهام المجتمع الدولي بأن الصراع موجه ضد المسلمين وحدهم، وإثارة حساسيات داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.
اليوم تتكرر المحاولة بشكل مختلف في لبنان. اتصالات تحمل رسائل من نوع: “هل تريد أن تموت وحدك أم مع من هم معك؟”، أو إنذارات بإخلاء مناطق كاملة.
رسائل تبدو وكأنها موجهة لحماية المدنيين، لكنها في الواقع جزء من حرب نفسية تهدف إلى نشر الذعر وإرباك الناس وإثارة الفوضى في حياتهم اليومية.
وإذا كان العدو معروفاً باستخدامه لكل أدوات الحرب، فإن ما يثير القلق هو صدى هذه الرسائل داخل البلد نفسه، فبدلاً من مواجهتها بوعي وهدوء، يتحول بعضها إلى مادة للتحريض الداخلي أو للمزايدات السياسية، وكأن البعض مستعد لتبني رواية العدو أو تضخيمها.
صحيح ان العدو يحاول زرع الشك، لكن الأخطر أن يجد من يساعده على ذلك من دون قصد أو ربما بقصد. فالحروب لا تُربح فقط بالسلاح، بل أيضاً بقدرة المجتمعات على حماية وحدتها الداخلية.
يبدو أن إسرائيل لم تعد تكتفي بانتهاك البر والبحر والجو، بل تحاول أيضاً أن تمتد إلى شبكة الاتصالات الخلوية والأرضية، لتجعل من الهاتف وسيلة ضغط نفسي على الناس. لكن التجارب السابقة أثبتت أن هذه الأساليب، رغم قدرتها على إحداث ارتباك مؤقت، تبقى عاجزة عن كسر مجتمع يدرك أهدافها ويتعامل معها بوعي.
في النهاية، قد تنجح الصواريخ في تدمير مبان، وقد تنجح الاتصالات المجهولة في إثارة الخوف لبعض الوقت، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يفقد الناس ثقتهم ببعضهم البعض. لذلك تبقى المسؤولية بعدم السماح لهذا الانتهاك البشع بأن ينجح في ما عجزت عنه الحروب العسكرية.




