المشهد الاقليمي يزداد تعقيدا.. ولبنان يواجه السيناريو الأخطر!.. غسان ريفي

تشهد منطقة الشرق الأوسط سلسلة متشابكة من التطورات السياسية والعسكرية التي تبدو للوهلة الأولى منفصلة، لكنها عند التدقيق تكشف عن ترابط واضح ضمن سياق استراتيجي واحد. فمن التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإيران والذي سيتضاعف بعد تعيين السيد مجتبى خامنئي مرشدا أعلى، إلى التوترات المتقطعة في الخليج، وصولاً إلى ما يجري في لبنان من ضغوط عسكرية وسياسية، يتشكل مشهد إقليمي معقد تتداخل فيه الاعتبارات الدولية والإقليمية. 

في قلب هذا المشهد يبرز احتمال اعتماد ما يمكن تسميته بـ”الخطة ب”، أي الانتقال من محاولة حسم الصراع بشكل مباشر إلى إدارة صراعات طويلة الأمد داخل المنطقة نفسها، بما يؤدي إلى استنزاف قواها وإعادة تشكيل موازينها السياسية والأمنية.

 

مع تعثر محاولات إسقاط النظام الإيراني عبر الحرب الأميركية الاسرائيلية المفتوحة يبدو أن بعض الدوائر اليمينية المتطرفة في واشنطن وتل أبيب تسعى إلى خيار آخر يقوم على دفع المنطقة نحو مزيد من الصراعات بين دولها. فبدلاً من الاستمرار في مواجهات مباشرة مكلفة وغير مضمونة النتائج، يمكن السعي إلى إشعال مواجهة واسعة بين إيران ودول الخليج، وهو سيناريو يحمل في طياته مخاطر حرب طويلة الأمد تستنزف قدرات جميع الأطراف. 

مثل هذه الحرب، إن اندلعت، قد تتحول تدريجياً إلى صراع إقليمي متعدد الأوجه، اقتصادي وأمني وربما مذهبي، وقد يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة.

 

في هذا الإطار، فإن أية مؤشرات على تقارب محتمل بين إيران وبعض دول الخليج يشكل عاملاً مقلقاً بالنسبة إلى أميركا وإسرائيل اللتان تراهنان على إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم. فالتقارب أو ربط النزاع الإقليمي، قد يسحب منهما أحد أهم أوراق الضغط في المنطقة ويقلل من فرص تحويلها إلى ساحة صراع مفتوح. لذلك غالباً ما يُلاحظ أن أي خطوة باتجاه التهدئة تُقابل سريعا بكم هائل من الاستفزازات، وقد بدا ذلك واضحا عندما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن الاعتذار لدول الخليج ووقف الاستهدافات إذا ما توقف إطلاق الصواريخ الأميركية منها تجاه إيران، قابله الرئيس دونالد ترامب بتصريحات مستفزة تتحدث عن أن هذا الاعتذار هو بداية الاستسلام والانهيار، وبإصرار على إستهداف إيران بصلية صاروخية من قاعدة أميركية في إحدى الدول الخليجية ما أدى إلى عودة الأمر إلى المربع الأول. 

ولا يبدو الهدف في هذه المعادلة مقتصراً على إيران أو على تغيير نظامها السياسي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط بأكمله. فإذا نجحت الضغوط في إسقاط النظام الإيراني، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تعيد توزيع موازين القوى وتكرس حضوراً أوسع للقوى الدولية في إدارة شؤون المنطقة لا سيما إسرائيل التي تسعى إلى ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، لجهة إستهداف إيران وفي الوقت نفسه إضعاف دول الخليج التي بدأت تشق طريقها نحو العالمية على صعيد التطور التكنولوجي والسياحة والاقتصاد والتنمية، بما يشكل منافسة كبرى للكيان الصهيوني.

أما إذا فشلت تلك الضغوط الأميركية الاسرائيلية، فقد يكون الخيار هو دفع المنطقة الى صراعات طويلة، بما يدخلها في عمليات إستنزاف من شأنها أن تُضعف قدرات دولها وتحد من صعودها الاقتصادي والتكنولوجي ومن تأثيرها السياسي.

 

في هذا السياق، يبدو المشهد في لبنان وكأنه انعكاس مصغر لما يجري في الإقليم، فالعدوان الاسرائيلي الوحشي المترافق مع الضغوط المتزايدة المرتبطة بمسألة سلاح المقاومة، يضعان البلاد أمام معادلة شديدة الحساسية، خصوصا في ظل الحديث المتنامي عن أنه إذا فشلت حكومة نواف سلام في نزع سلاح حزب الله فإن إسرائيل ستقوم بهذه المهمة التي يبدو أنها بدأت فعلا، في الوقت نفسه يثير فيه الأداء الرسمي اللبناني تساؤلات متزايدة، خصوصاً في ظل الاكتفاء بمواقف سياسية محدودة هي أشبه بالصمت تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن البلاد تقف أمام مرحلة ضاغطة يراد من خلالها فرض وقائع جديدة.

وفي حال تعذر تحقيق هدف القضاء على المقاومة عبر الحرب الصهيونية المباشرة، فإن السيناريو الأكثر خطورة قد يكون نقل الصراع إلى الداخل اللبناني من خلال إقحام الجيش اللبناني في مواجهة مع المقاومة، ما من شأنه أن يضع البلاد أمام احتمال انقسام داخلي خطير، ويهدد بإعادة فتح جروح الحرب الأهلية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. 

وتزداد حساسية هذا الاحتمال مع تصاعد الخطاب السياسي من قبل الجوقة الوزارية والنيابية المحيطة بالرئيس نواف سلام والتي تضغط باتجاه المواجهة الداخلية تحت النيران الاسرائيلية وتحمل الجيش مسؤولية التقصير. 

في غضون ذلك، يجد الجيش اللبناني نفسه أمام معادلة دقيقة بين تنفيذ قرارات السلطة السياسية والحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار الداخلي ومنع انزلاق البلاد إلى الحرب الأهلية. فهذه المؤسسة تبقى صمام الأمان والركيزة الأساسية لوحدة الدولة، وأي محاولة لزجها في صراع داخلي بناء لأجندات خارجية أو إلتزامات دولية قد تعرضها لخطر الانقسام، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة شديدة الخطورة والى صراعات قد تمتد لسنوات!..

 



 

Post Author: SafirAlChamal