ساعاتٌ ثقيلة من القلق والرعب عاشها اللبنانيون، بعدما عمد العدو الإسرائيلي إلى إصدار سلسلة إنذارات واسعة النطاق طالت مناطق مختلفة داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة غير مسبوقة من حيث اتساعها، ما أدى إلى حالة هلع بين المواطنين وموجة نزوح لم يشهدها لبنان حتى خلال مراحل عديدة من الحروب الماضية.
قبيل موعد الإفطار، تحوّلت الطرقات إلى مشهد نزوح خانق، سياراتٌ متراصّة على مدّ البصر، عائلاتٌ تهرب على عجل، وأطفالٌ يراقبون وجوه أهلهم المليئة بالخوف، فحين تصدر التهديدات عن إسرائيل التي لم تتردد يوماً في استهداف الحجر والبشر، يصبح القلق مشروعاً لدى السكان الذين يخشون أن تتحول أي لحظة إلى غارة جديدة.
هذه الإنذارات الإسرائيلية، التي وُزعت على نطاق واسع، لم تكن مجرد تحذيرات عسكرية، بل حملت في طياتها رسائل ترهيب واضحة تستهدف المدنيين قبل أي هدف آخر، في مشهد يعكس مرة جديدة سياسة الضغط النفسي التي تعتمدها إسرائيل لإرباك الداخل اللبناني وبثّ الخوف في صفوف السكان.
وفي موازاة هذا التصعيد، كشفت مصادر سياسية لـ«سفير الشمال» أن الرئاسات الثلاث في لبنان دخلت على خط اتصالات دبلوماسية مكثفة مع عدد من الدول المؤثرة، في محاولة لاحتواء الموقف ومنع توسّع الضربات الإسرائيلية.
وبحسب هذه المصادر، فإن قنوات التواصل مع عواصم دولية فاعلة فُتحت منذ اللحظات الأولى لصدور الإنذارات، بهدف كبح الاندفاعة الإسرائيلية ومحاولة ضبط الإيقاع الميداني، في ظل المخاوف المتزايدة من أن تتحول هذه التهديدات الواسعة إلى حملة عسكرية أشمل.
في المقابل، تشير المعطيات المتداولة في الأوساط الدبلوماسية إلى أن أي تحرك بري إسرائيلي محتمل لن يكون مجرد عملية محدودة الأهداف كما يجري الترويج له، بل خطوة مدروسة ضمن تصور عسكري أوسع يهدف إلى إعادة رسم التوازنات الميدانية في جنوب لبنان وشرقه في آنٍ واحد.
ووفق هذه المعلومات، فإن السيناريو المطروح يقوم على تقدم بري بعمق قد يصل إلى نحو 15 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، ليشمل مدينة صور وقضاءها وصولاً إلى خط القاسمية. ويتزامن ذلك مع محور تحرك آخر ينطلق من سفوح جبل الشيخ باتجاه البقاع الغربي وراشيا، في عملية ميدانية متوازية يُراد منها إحداث فصل جغرافي وعملياتي بين الجنوب والبقاع.
وتلفت هذه المعطيات إلى أن الهدف لا يقتصر على الضغط العسكري المباشر على «حزب الله»، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة التحكم بالكتلة البرية الممتدة من جنوب الليطاني وصولاً إلى خط المصنع على الحدود اللبنانية – السورية، بما قد يعني عملياً السعي إلى قطع خطوط الإمداد الداخلية وعزل مناطق نفوذ الحزب جغرافياً.
وفي حال تحقق مثل هذا السيناريو، فإن فصل البقاع عن الجنوب لن يكون مجرد إجراء ميداني عابر، بل خطوة ذات أبعاد استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة العملياتية للبنان، بما يخلق واقعاً ميدانياً ضاغطاً يمكن استثماره لاحقاً في أي مسار تفاوضي محتمل..





