هندسة الاضطراب.. كيف توظّف واشنطن الأزمات لتعزيز سطوتها الاقتصادية وتحجيم “التنين” الصيني؟.. وفاء خليل

في المفهوم التقليدي، تُعدّ الحروب والأزمات عبئاً ثقيلاً على الدول، تستنزف مواردها وتربك استقرارها. غير أنّ قراءة المشهد الدولي اليوم توحي بأن الولايات المتحدة تتعامل مع الاضطراب العالمي بمنطق مختلف: ليس فقط كخطر، بل كفرصة لإعادة تثبيت موقعها في قمة النظام الدولي، في مواجهة الصعود الصيني المتسارع.

بينما ينشغل العالم بمتابعة بؤر التوتر، تدور في العمق معركة أكثر هدوءاً وأشد تأثيراً: معركة نفوذ اقتصادي، وهيمنة مالية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. الهدف لا يقتصر على احتواء أزمة آنية، بل يتعداه إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة بما يضمن استمرار التفوق الأمريكي.

أحد أبرز التحولات التي خدمت هذا المسار كان تغيّر موقع الولايات المتحدة في معادلة الطاقة. فبعدما كانت مستورداً كبيراً، أصبحت من كبار المنتجين والمصدّرين. في أوقات التوتر، ترتفع أسعار النفط والغاز عالمياً، ما يشكّل ضغطاً مباشراً على الاقتصادات الصناعية المستوردة، وفي مقدمتها الصين. فكل زيادة في كلفة الطاقة تنعكس على المصانع وسلاسل الإنتاج، فتتآكل الميزة السعرية التي لطالما اعتمدت عليها البضائع الصينية. وهنا لا تحتاج واشنطن إلى قطع الإمدادات، بل يكفي أن تصبح كلفتها مرهقة للمنافس.

في ميدان التكنولوجيا، يتخذ الصراع بعداً أكثر حساسية. فقد فرضت الولايات المتحدة قيوداً مشددة على تصدير التقنيات المتقدمة، ولا سيما الرقائق الإلكترونية، بهدف إبطاء التقدم الصيني في مجالات الذكاء الاصطناعي والصناعات الدقيقة. هذا الضغط لا يستهدف قطاعاً بعينه، بل يطال أساس اقتصاد المستقبل. وبالتوازي، دفعت حالة عدم اليقين الجيوسياسي عدداً من الشركات العالمية إلى إعادة توزيع استثماراتها خارج السوق الصينية، ما يُعيد رسم الخريطة الصناعية تدريجياً.

أما القوة الأكثر هدوءاً وتأثيراً، فتتمثل في موقع الولايات المتحدة داخل النظام المالي العالمي. فالدولار ما يزال العملة الأكثر استخداماً في التجارة الدولية، ما يمنح واشنطن قدرة واسعة على التأثير في حركة رؤوس الأموال. وفي أوقات الأزمات، يتجه المستثمرون نحو الأصول الأمريكية طلباً للأمان، فتتحول الفوضى العالمية إلى تعزيز لمكانة الاقتصاد الأمريكي بدلاً من إضعافه.

لكن القول إن واشنطن تصنع كل الأزمات يبقى تبسيطاً مفرطاً. الأرجح أنها تجيد استثمار الاضطراب أكثر مما تخلقه. موقعها البنيوي داخل النظام الدولي يمنحها قدرة استثنائية على تحويل الأزمات إلى مكاسب نسبية، في وقت يتحمل فيه منافسوها كلفة أعلى.

في المقابل، تعمل الصين على تقليل اعتمادها على المنظومة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، وتسعى إلى توسيع شراكاتها وبناء أدوات مالية وتجارية تعزز استقلاليتها.

في هذا الإطار، لا يبدو الصراع بين واشنطن وبكين مواجهة مباشرة، بل تنافساً طويل الأمد على من يحدد قواعد الاقتصاد العالمي: من يتحكم بالطاقة؟، ومن يمتلك مفاتيح التكنولوجيا؟، ومن يملك العملة الأكثر نفوذاً؟.

إنه صراع على شكل النظام الدولي المقبل… لا على أزمة عابرة.

Post Author: SafirAlChamal