تمهيد أميركي لتحقيق أهداف نتنياهو حول إسرائيل الكبرى!.. غسان ريفي

أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى الكيان الإسرائيلي مايك هاكابي عاصفة سياسية وإعلامية في العالمين العربي والإسلامي، بعدما قال في مقابلة مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون إنه “لا يرى مانعاً” في أن تستولي إسرائيل على كامل منطقة الشرق الأوسط الممتدة من النيل الى الفرات، قبل أن يسارع إلى توصيف كلامه بأنه “مبالغة مجازية”. 

غير أن محاولة التخفيف من وقع التصريح لم تنجح في احتواء تداعياته، نظراً إلى رمزيته وخلفيته الأيديولوجية، ولأنه صدر عن مسؤول يشغل موقعاً دبلوماسياً حساساً في لحظة إقليمية شديدة التعقيد والخطورة.

 

يُعتبر السفير هاكابي من أبرز وجوه التيار الإنجيلي المحافظ، وسبق أن كرر لسنوات مقولته المثيرة للجدل بأنه “لا يوجد شيء اسمه فلسطين”، كما اقترح علناً نقل فكرة الدولة الفلسطينية إلى الأردن أو إلى أجزاء من سيناء. 

الجديد هذه المرة أن خطاب هاكابي لم يقتصر على إنكار الحقوق الفلسطينية، بل تمدد ليشمل إعادة إحياء سردية “إسرائيل الكبرى”، المستندة إلى قراءة توراتية تعتبر أن الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات مُنحت لبني إسرائيل بوعد إلهي. 

وعندما يُطرح هذا التصور على لسان سفير دولة عظمى، فإن المسألة تتجاوز حدود الرأي الشخصي لتلامس حدود السياسة الرسمية أو على الأقل المناخ الحاضن لها.

والخطورة في التصريح، أنه جاء بعد تصريحات بنيامين نتنياهو بأنه في “مهمة ربانية من أجل إسرائيل الكبرى”، وعرضه في مقر الأمم المتحدة الخارطة الزرقاء، وتماهي دونالد ترامب معه بعد ذلك بالقول: “إن خارطة إسرائيل صغيرة عليها”.

لذلك، فإن صمت إدارة ترامب عن كلام هاكابي يبدو بأنه ترجمة لهذه التصريحات، فعدم صدور أي توضيح أو تصحيح رسمي من الولايات المتحدة يشير إلى توافق بين واشنطن وتل أبيب على تحقيق أهداف نتنياهو التي باتت معروفة بانتظار أن تستشعر خطورتها الدول العربية والاقليمية، خصوصا أن هاكابي لم يستح في تعداد الدول التي يجب على إسرائيل الاستيلاء عليها، وهي: فلسطين والأردن ولبنان وسوريا والعراق والسعودية وأجزاء واسعة من مصر.

وفي منطقة اعتادت قراءة الإشارات، غالباً ما يُفهم الصمت بوصفه موقفاً ضمنياً و”علامة رضى”، لا سيما عندما يتعلق الأمر بخرائط وحدود وسيادة الدول.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن كل حديث عن مفاوضات أو تفاهمات أو معاهدات أو إتفاقات أمنية مع أميركا أو إسرائيل هي “لزوم ما لا يلزم” ومجرد “شراء وقت” إلى أن يحين وقت الانقضاض الصهيوني على المنطقة بدءا مما يحدث في غزة والضفة الغربية مرورا بالعدوان المستمر على جنوب وبقاع لبنان، وبإحتلال أجزاء من سوريا، وصولا إلى الضغط المتزايد على إيران التي يشكل سقوط نظامها في حال حصل الحجر الأساس لإستكمال هذا المشروع الجهنمي. 

لذلك، يصعب القيام بترجمة هذا الطرح في ميزان القوى الدولي والإقليمي القائم، غير أن خطورته تكمن في تكريس منطق الهيمنة الصهيونية بوصفه خياراً مشروعاً، وفي إضعاف ما تبقى من قدرات في المنطقة تحت عناوين مختلفة. 

كما يُفترض أن يُعزز هذا الطرح القناعة لدى العالم العربي بأن الصراع لم يعد محصوراً بفلسطين أو بالاحتلال وفرض المناطق العازلة في لبنان وسوريا، بل يتصل بإعادة ضم وفرز وتشكيل شامل للمنطقة، تكون فيها إسرائيل مركز الثقل السياسي والشرطي الذي يضرب بيد من حديد عندما تدعو الحاجة أو عندما ترى ضرورة لذلك، بدعم أميركي واضح تحت شعار الشرق الأوسط الجديد.

تشير المعطيات إلى أن الحديث عن ابتلاع خرائط المنطقة لمصلحة إسرائيل لا يمكن التعامل معه بخفة، فالتاريخ يثبت أن التحولات الكبرى تبدأ غالباً “ببالون إختبار” في الإعلام قبل أن تبدأ ترجمته في الميدان. 

من هنا، فإن التحدي لا يقتصر على الرد اللفظي أو بيانات الاستنكار، بل يتصل بقدرة الدول العربية والاقليمية على صياغة رؤية مشتركة تحصّن سيادتها وتعيد التوازن إلى معادلة الردع.

وبين من يعتبر التصريح زلة لسان عابرة، وبين من يراه إعلان نيات مبطناً، تبقى الحقيقة أن الشرق الأوسط يقف مجدداً أمام أزمات الخرائط والحدود، في زمن تتراجع فيه الضوابط والمواثيق والأعراف الدولية لمصلحة منطق القوة.

 



 

Post Author: SafirAlChamal