زيادات متسلسلة تهدد الأسعار.. هل يتحمّل الشارع صدمة إضافية؟!.. صبحية دريعي

في بلدٍ لم يلتقط أنفاسه بعد من تداعيات رفع الدعم، عاد مجلس الوزراء ليضع اللبنانيين أمام اختبار مالي جديد، عبر رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%، وإضافة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين (20 ليتراً)، أي ما يوازي نحو 3.3 دولارات. 

خطوةٌ تصفها الحكومة بأنها ضرورة لرفد الخزينة وتعزيز الإيرادات، فيما يراها الشارع “قنبلة مالية” جديدة تُلقى في وجه مواطن أنهكته الأزمات.

 

القرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية: قدرة شرائية تتآكل، أسعار تتفلّت من أي سقف، ومداخيل بالكاد تكفي الحد الأدنى من الاحتياجات. وبين خطاب “الإصلاح” الرسمي وواقع الانكماش الاقتصادي، تتسع الهوة بين ما تحتاجه الدولة وما يحتمله الناس.

 

رفع الـTVA بنسبة 1% قد يبدو تقنياً ومحدود الأثر، لكنه عملياً يطال معظم مفاصل الحياة اليومية، من السلع الاستهلاكية إلى خدمات الاتصالات، ستنعكس الزيادة تلقائياً على الفاتورة الشهرية لكل أسرة، ما يفتح الباب أمام موجة غلاء جديدة تحت عنوان: “تعديل الضريبة”، في سوق يفتقر أصلاً إلى الرقابة الصارمة.

 

أما زيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، فهي الشرارة الأخطر في بلد يعتمد شبه كلياً على السيارات الخاصة بسبب غياب النقل العام المنظّم، تتحول الزيادة إلى ضريبة غير مباشرة على كل تنقّل، وكل خدمة، وكل سلعة تُنقل بالشاحنات.

 

والتداعيات لن تقف عند هذا الحد فارتفاع كلفة المحروقات يعني حكماً ارتفاع تعرفة الفانات ووسائل النقل العمومي، ما يضاعف العبء على الطلاب والموظفين والعمال الذين يعتمدون عليها يومياً. ومع كل زيادة في النقل، ترتفع كلفة البضائع، وتتسع الحلقة لتطال الأسواق بكاملها. بنزين أغلى، نقل أغلى، سلع أغلى… وسلسلة مترابطة قد تدفع الأسعار إلى مستويات جديدة.

 

في جولة لسفير الشمال على محطات الوقود، يسود القلق أكثر من الغضب. أصحاب محطات يتخوّفون من تراجع المبيعات، وسائقو الأجرة أمام معادلة صعبة بين رفع التعرفة أو تكبّد الخسارة. 

 

الخشية لا تقتصر على الغلاء، بل تمتد إلى احتمال ضغط على المحطات أو تخزين يسبق تثبيت الأسعار، في مشهد يعيد إلى الأذهان طوابير الانتظار التي لم تُمحَ من الذاكرة.

 

من جهته، يحذر الخبير الاقتصادي عمر الأشقر من أن “زيادة الضرائب في ظل غياب إصلاحات بنيوية حقيقية تعني عملياً تحميل الكلفة للمواطن بدل معالجة مكامن الهدر”. ويؤكد أن أي خطوة لا تترافق مع ضبط فعلي للأسعار وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي قد تفتح الباب أمام موجة تضخمية جديدة تضرب ما تبقى من الطبقة الوسطى.

 

في المحصلة، لا تبدو المسألة مجرد تعديل ضريبي عابر، بل اختباراً جديداً لقدرة الناس على الصمود. وبين حاجة الدولة إلى الإيرادات وحق المواطن في العيش بكرامة، يبقى السؤال: كم تبقّى في جيب اللبناني ليدفع بعد!..

Post Author: SafirAlChamal