في مدينة إعتادت أن تعيش على الهامش كما أرادوها، لم يعد صوت الانهيارات مفاجئًا في طرابلس، يسقط مبنى، يُنتشل سكان من تحت الركام أحياء أو موتى ،بعد ساعات او ايام ، تُطوى الحادثة وكأنها لعبة دومينو تنهار وننتظر لعبة اخرى ، ثم لا يلبث أن يتكرر المشهد في حي آخر، أو في منطقة أخرى، خلال أسابيع قليلة شهدت المدينة أكثر من انهيار، رغم معرفة الجميع بأن هناك أبنية ،يتجاوز عددها العشرات مهددة وآيلة للسقوط ، كان آخرها أمس للأسف ، في مشهد يعيد طرح نفس السؤال ،هل ما يجري مجرد حوادث متفرقة؟، أم أننا أمام أزمة عمرانية مزمنةحقيقية تُدار بالإهمال والانتظار؟.
الخطورة في ما يجري في طرابلس ،لا تكمن فقط في انهيار مبانٍ قديمة، بل في تكرار الانهيارات خلال فترة زمنية قصيرة، وفي أحياء مأهولة بالسكان، تكرار هذه المآسي يجب أن يوضع، في مستوى الخطر البنيوي الذي يهدد السلامة العامة، ولم يعد يجدي وضعها في مرحلة (الطواريء).
عشرات المباني في طرابلس، خصوصًا في الأحياء الشعبية والقديمة، مصنّفة منذ سنوات على أنها متصدعة ،أو بحاجة إلى تدعيم عاجل، وهذا ليس بجديد ، لكن معظم هذه التقارير بقي حبيس الأدراج ، دون أي خطوات تنفيذية جدية، تصاريح رنانة من جميع السياسيين في طرابلس وغير طرابلس. طرابلس تعاني من بنية عمرانية متقادمة صحيح، ومعظمها يعود وفي جزء كبير منها إلى عقود طويلة، وبعضها إلى ما قبل قيام الدولة الحديثة، كل هذا صحيح ولكن ، هذه الأبنية لم تُرمّم وفق معايير السلامة المعتمدة ، إضافة الى ان هناك الكثير من الأبنية ، تعرّضت لتعديلات عشوائية، كإضافة طوابق أو تحميل إنشائي زائد، ومع غياب الصيانة، تتحول التصدعات الصغيرة إلى خطر داهم، لا يُكتشف غالبًا إلا بعد فوات الأوان.
في مدن أخرى، يشكّل إخلاء مبنى مهدد بالانهيار ،خطوة وقائية بديهية أما في طرابلس، فالإخلاء غالبًا ما يبقى قرارًا غير قابل للتنفيذ، السبب بسيط ومؤلم ، لأن غالبية سكان هذه الأبنية لا يملكون القدرة على، استئجار مساكن بديلة ، او تحمّل كلفة الترميم، والانتقال المؤقت بانتظار المعالجة وهكذا يجد المواطن نفسه محاصرًا ، بين خطر السقوط وغياب أي خيار آخر، مع العلم أن هناك اماكن يمكن إستعمالها ، لإسكان من يجب إسكانه ولو مؤقتآ , مثال لا للحصر ( فندق الكواليتي إن ) .
المسؤولية في هذه الأزمة ليست أحادية، فهي تتوزع بين بلديات تفتقر للإمكانيات ، رغم معرفتها بالواقع ووزارات معنية تضع القوانين دون تنفيذ فعلي، وغياب رقابة هندسية منتظمة ، وانعدام خطة وطنية لمعالجة الأبنية الآيلة للسقوط، هذا التشابك في المسؤوليات يخلق فراغًا قاتلًا، حيث لا يُحاسَب أحد، وتُترك المعالجة لما بعد الكارثة.
ما يزيد من خطورة المشهد هو شعور متزايد ،لدى أبناء المدينة بأن طرابلس تُدار كمنطقة خارج أولويات الدولة، ففي حين تُعالج مشاكل مماثلة ، في مناطق أخرى بإجراءات استباقية، تُترك طرابلس لمواجهة مصيرها، بانتظار أن يتحول الخطر إلى مأساة.
ما تحتاجه طرابلس اليوم، ليس لجان تحقيق بعد كل انهيار، بل سياسة واضحة تقوم على،
مسح شامل وفوري لكل الأبنية المهددة ، إعلان النتائج بشفافية للرأي العام ، تأمين بدائل سكنية مؤقتة عند الإخلاء وقبل الإخلاء ، إطلاق برامج ترميم مدعومة وفورية ، تحديد مسؤوليات قانونية تمنع التهرب والمماطلة.
ما يحدث في طرابلس ليس مفاجئًا، بل متوقّعًا في ظل هذا الواقع، إن إستمرار التعامل مع إنهيار المباني كأحداث منفصلة ، يعني أن المدينة ستبقى رهينة القلق، وأن السؤال الحقيقي لم يعد إن كان الإنهيار سيتكرر، بل أي مبنى سيكون التالي.




