لم يعد النزوح في طرابلس، مرتبطاً بالحرب أو بالهزات، بل بجدار متصدع وسقف مهدد بالسقوط.
عشرات العائلات أجبرت على مغادرة منازلها بعد تحذيرات هندسية من خطر الانهيار لتجد نفسها فجأة بلا مأوى، وبلا أي بديل يحافظ على كرامتها.
القرار بالاخلاء يُتخذ بسرعة، تطلب الدولة من الناس الخروج، ثم تتركهم في العراء، لا سكن، لا تعويض، ولا حتى خطة طوارئ.
عائلات تفترش بيوت الأقارب، وأخرى لجأت إلى إيجارات تفوق قدرتها، وبعضها يعود قسراً الى بيوت مهددة.. لان التشريد اقسى من الخطر، لكن الخطر قاتل كما حصل مع الشهيدة أليسار ووالدها الشهيد.
في ظل هذه الظروف العصيبة، يبرز دور نواب المدينة الذين وصلوا بأصوات الفقراء، في الضغط لتأمين مساكن بديلة أو بدلات إيواء، أو على الأقل متابعة الحكومة ومساءلتها عن وعودها بتأمين ما يبعد خطر الموت عن سكان الابنية المتصدعة، لكن حتى الآن تقتصر التحركات على بيانات الاستنكار والنعي عند حصول أي كارثة إنهيار.
سمع أبناء طرابلس مؤخرا وعوداً كثيرة حول معالجة هذا الملف وتأمين مساعدات عاجلة لحماية أرواح المواطنين، لكن ذلك لم يحم مبنى القبة الذي إنهار فوق رؤوس أفراد عائلة المير، وهذا المبنى كان معروفا بخطورة وضعه، مشمولا بتقارير وتحذيرات وإنذارات، وقد تم إهماله حتى إنهار، ليكشف الهوة السحيقة بيت تصريحات النواب والمسؤولين وواقع الناس.
أما رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أكد أكثر من مرة أن سلامة المواطنين أولوية، وأن طرابلس ليست وحدها، ما يزال غير قادر على تأمين أبسط مقومات الحماية عبر مبلغ العشرة ملايين دولار التي طلبها نواب المدينة، ما يطرح سؤالا جوهريا، لجهة ماذا ينتظر الرئيس سلام؟، ولماذا لا تترجم هذه الأولوية قبل وقوع الكارثة؟، ولماذا لا يترجم الوقوف مع طرابلس بالمساعدات الفورية؟.
طرابلس اليوم لا تطلب منحة أو عطفا، بل من واجب الحكومة أن تؤمن لها حق العيش بكرامة وأمان، وهنا لم يعد الانهيار احتمالاً.. بل صار سياسة صمت قاتل، وبالتالي، كل وعد لم ينفذ هو حجر إضافي يسقط فوق رؤوس الناس، فكم مبنى يجب أن ينهار، وكم روح يجب أن تزهق، حتى تتحرك ماكينات الإنقاذ الحقيقية.. الى أن يأتي الجواب، ستبقى طرابلس واقفة على حافة الموت.. فيما المسؤولون ينتظرون لإصدار البيانات!..




