أميركا تكيل بمكيالين.. تطلب من لبنان كل شيء وتعفي العدو من كل شيء!.. غسان ريفي

ثبت بالوجه الشرعي بعد الجولة اللبنانية الثالثة للمبعوث الأميركي توماس باراك، أنه يتحدث بلسانين، واحد في المقرات الرئاسية وواحد على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يُظهر تناقضا رهيبا في مواقفه لجهة مقاربة الأوضاع اللبنانية التي يبدو أنها تُربكه وتُثقل عليه ليجد نفسه غير قادر على مجاراة الواقع الصعب والمفرط الحساسية، فضلا عن عدم نجاح مهمته في سوريا. 

ما يضاعف من تناقض باراك هو أن أميركا نفسها تكيل بمكيالين حيث تطلب من لبنان كل شيء وتعفي إسرائيل من كل شيء، وتشدد على ضرورة أن تسلم المقاومة السلاح الذي يهدد العدو الصهيوني، من دون أن تقدم أية

ضمانات لعدم تهديد المقاومة وبيئتها وكل اللبنانيين من الخطر الإسرائيلي العدواني والتوسعي ومن الفكر التلمودي الاستيطاني والعنصري الذي يظهر بوضوح في فلسطين وسوريا وصولا إلى لبنان.

وفي هذا الإطار، تطلب أميركا من لبنان ما لا يستطيع تقديمه إذا ما لم تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار والاغتيالات والقرار 1701، وبالانسحاب من النقاط الخمس وإطلاق الأسرى، خصوصا أن إسرائيل لم توفر التوسع والتدخل في سوريا التي تتفاوض مع العدو بشكل مباشر وتنأى بنفسها عن أي مواجهة معه، فكيف بلبنان الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من أرضه من دون قيد أو شرط تحت ضربات المقاومة في العام ألفين، والذي صمد في العام 2006، وواجه في العام 2024.

لا شك في أن مجلس الوزراء في حال وضع حصر السلاح في يد الدولة، فإنه سيحرج نفسه بشكل كبير وربما يتعرض إلى إنفجار من الداخل، خصوصا أن أكثرية الوزراء باتوا على يقين بأن حصر السلاح غير ممكن من دون الحصول على ضمانات أميركية جدية تترجم بالتزام إسرائيل بالشروط اللبنانية، باستثناء وزراء القوات اللبنانية الذين قد يجدوا الفرصة متاحة أمام إعتماد بروباغندا الانسحاب من الحكومة وفي ممارسة الشعبوية على مسافة تسعة أشهر من الانتخابات النيابية.

وكذلك، في حال إتخذ مجلس الوزراء قرارا بحصر السلاح، وسحبه من المقاومة ومن الفصائل الفلسطينية في المخيمات بحسب الشروط الأميركية، فما هي الآلية التي يمكن أن يعتمدها؟ هل سيكلف الجيش بذلك، وتكون البلاد أمام حرب مخيمات جديدة أو توترات داخلية أشبه بحرب أهليه؟، وهل يستطيع الجيش القيام بذلك وهو الذي أمضى حربا مدتها مئة وستة أيام في مخيم نهر البارد مع مجموعة صغيرة من تنظيم فتح الإسلام قبل أن يغادر من تبقى منه المخيم تحت جنح الظلام؟، وهل من الواقعية زج الجيش في حروب داخلية من هذا النوع من دون تسليحه وفي ظل إجباره على تفجير أي سلاح يصادره في جنوب الليطاني؟، وهل يقبل رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون أن يشهد لبنان في السنة الأولى من عهده حروبا من هذا النوع؟.

أسئلة كثيرة وسيناريوهات خطيرة تطرح نفسها، في مقابل الشروط الأميركية الاسرائيلية، علما أن أميركا لو كانت جادة في دعم لبنان وعهده الجديد لكانت أجبرت إسرائيل على الانسحاب من النقاط الخمس بعد مهلة الستين يوما بحسب إتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني الفائت، أو بعد مهلة التمديد التي إنتهت في 18 شباط الفائت وتعهدت المبعوثة السابقة مورغن أورتاغوس من على منبر رئاسة الجمهورية وبإسم الرئيس دونالد ترامب بهذا الانسحاب قبل أن تتوارى عن الأنظار وتسحب أميركا تعهداتها.

يبدو واضحا، أنه كلما قدم لبنان عرضا أو تنازلا لأميركا تسارع إلى عرضه على العدو الاسرائيلي الذي يرفضه ويطالب بالمزيد وصولا إلى جعل لبنان منزوع القوة والحضور بما يمكّن إسرائيل من ممارسة غطرستها وعدوانيتها بحرية تامة، تماما كما تفعل في سوريا، وهذا ما لا يمكن لأي سيادي حقيقي أن يقبل به من أعلى الهرم إلى القاعدة، باستثناء من يتبنى السردية الاسرائيلية ويمني النفس بسحب سلاح المقاومة بأي ثمن حتى لو كان الدخول في العصر الاسرائيلي، أما السواد الأعظم من اللبنانيين فيعتبرون أن الممر الإلزامي لحصر السلاح بيد الدولة هو إلتزام كامل وواضح وصريح لإسرائيل بإتفاق وقف إطلاق النار بضمانة أميركية وما دون ذلك مجرد تضييع وقت!..


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal