منذ صدور القانون النافذ حكماً رقم 1 تاريخ 3/4/2025 المتعلّق بالإيجارات للاماكن غير السكنية المبرمة قبل 23 تموز 1992، طُرحت أسئلة جوهرية حول مدى قانونيته وعدالته.
فهل يُعدّ هذا القانون منسجمًا مع اللإصول المنصوص عنها للنشر في الدستور ومع المبادئ العامة للعدالة التعاقدية؟ أم أنه مجحف في حق المستأجرين التجاريين والمهنيين الذين بنوا أعمالهم واستثماراتهم على مدى عقود؟
من المفيد ان ندقّق في نفاذ القانون حكما وهل أنّ نشره جاء متوافقاًمع المادة 57 من الدستور اللبناني التي تتيح لرئيس الجمهورية أن يطلب من مجلس النواب “إعادة النظر فيه”، فيمتنع عن توقيعه إلى حين مناقشته في المجلس مجددًا. وهل يُمنع عليه إصدار القانون المُعاد الى المجلس قبل مناقشته واعادة التصويت عليه واقراره بالغالبية المطلقة من مجموع الاعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونا.
ان الطبيعة القانونية في إعادة النظر في القانون هي حق يهدف إلى مراجعة فتح نقاش تشريعي ثانٍ، وليس إلى تعطيل نهائي للمسار التشريعي. فالمادة 57 لا تمنح الرئيس حق إسقاط القانون، بل تُعطيه حق إعادته إلى حين تصويت المجلس مجددًا عليه بعد مناقشة جديدة. وعندها، إذا أصرّ المجلس على القانون بالأكثرية المطلقة، يُصبح رئيس الجمهورية ملزما باصداره.
والنص الدستوري لا يجيز للرئيس اتخاذ اي اجراء بعد ممارسة حقه بإعادة القانون الى مجلس النواب لمناقشته، فبمجرّد طلبه إعادة النظر، ترتفع يده عن القانون، وينتقل إلى مجلس النواب، الذي يُصبح وحده صاحب القرار في تعديله أو الإصرار عليه،
هنا تكمن الإشكالية التي شهدها لبنان في قانون الايجارات غير السكنية إذ رئاسة مجلس النواب لم تُدرج القانون المُعاد من الحكومة بسبب الشغور، على جدول أعمال المجلس، ما أدى إلى جمود تشريعي دام لأشهر
كما أن عدم ادراج القانون لمناقشته في المجلس لا يعتبر إصرارًا ضمنيًا من المجلس، ولا يؤدي الى نشره تلقائيًا واعتباره نافذًا حكماً ولو أدّى هذا الأمر الى الفراغ وعدم الاستقرار التشريعي لأن النشر يصطدم صراحة بالنص الدستوري الذي يشترط عبارة واضحة: “أن يوافق عليه المجلس بعد مناقشة أخرى”. والمناقشة، بحسب أبسط قواعد القانون، تفترض إدراجًا للقانون على جدول الأعمال، وانعقادًا فعليًا للمجلس لمناقشته والتصويت عليه بالاكثرية المطلقة من عدد اعضاء المجلس، وبالتالي إن اعتماد تفسير ان القانون اصبح نافذا حكماً يُشكّل تجاوزًا صريحًا لنص المادة /57/ من الدستور اللبناني ولا يُعتدّ به في المسار الدستوري، لأنه لا يمكن تبرير النفاذ القانوني لقانون مُعاد إلّا بإعادة مناقشته والتصويت عليه في مجلس النواب ضمن الاصول الدستورية.
فالقانون المُعاد إلى المجلس لا يعتبر نافذًا، إذا اعادته الحكومة التي تمارس صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عنها في المادة /62/ من الدستور وانه من حق الحكومة ان تمارس صلاحية دستورية بوجه تام لا بوجه منقوص ولا بوجه زائد اذا تولت هذه الصلاحية في ظلّ الشغور الرئاسي، وان صلاحية حكومة الرئيس نجيب ميقاتي باعادة القانون الى مجلس النواب هو حقّ استعملته بكامله وبذلك تكون قد رفعت يدها عن القانون، ما يؤدي في النتيجة الى اعتبار حكومة الرئيس نواف سلام ان القانون اصبح نافذاً حكما كما ورد في مقدمته المنشورة في الجريدة الرسمية، هو اعتبار خاطئ وقرار اداري مخالف للمادة 57 من الدستور كونها تنص على وجوب اجراء المناقشة العلنية في مجلس النواب على القانون المعاد مشترطة اعادة التصويت عليه بالاكثرية المطلقة من عدد اعضاء المجلس النيابي وليس بالاكثرية المطلقة من الحضور، وطالما هذه المناقشة والتصويت عليها لم تتوفر لعدم عرض القانون للمناقشة في المجلس فإنه لا يجوز استرداده من المجلس ولا يجوز اعتباره نافذا حكماً لمخالفته نص المادة /57/ من الدستور
هذا من ناحية عدم دستورية نفاذ القانون اما من ناحية وضع حد نهائي لتمديد الايجارات غير السكنية فلا بد من التوضيح بما يلي:
منذ اربعينات القرن الماضي، مدّد المشرع عقود الايجارات السكنية وغير السكنية ثم عاد بموجب القانون رقم 11/1967، وأعطى المستأجر الحق في التنازل عن المأجور وبيع الخلو ضمن شروط خاصة، والسماح لورثته أو شركائه بالاستمرار في الإشغال.
لقد تحوّلت الايجارة والتنازل عنها الى جزء من الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمناطق التجارية والمهنية في لبنان، واوجدت حالة من الأمان للمستأجرين وللمتنازل لمصلحتهم لكنها خلقت حالة من الإجحاف بحق المالك، وإن التجارب التي قام بها المشرّع لم تصل الى حد العدالة المتوازنة لأنها كانت تتم تحت وطأة الشارع وانقسامه بين المالكين والمستأجرين.
غير أن المشرّع عاد في العام 2025 واعتبر القانون نافذا وأنهى العقود غير السكنية ضارباً عرض الحائط بقانون 11/67 وبالواقع الاقتصادي والتجاري، وفرض الإخلاء خلال مهلة زمنية، من دون تعويض يتوازن مع الاخلاء، ومن دون ان يراعي العلاقة التعاقدية المركبة التي ترسّخت على مدى نصف قرن واعاد العمل بمبدأ حرّية التعاقد متجاهلا عن قصد أن حرية التعاقد لا تعني الإلغاء القسري للعقود القائمة، خصوصًا تلك التي نشأت في ظل القوانين السابقة التي منحت الطرف المستأجر حقوقًا مكتسبة لا يحق للمشرّع العودة عنها دون تعويض اصحابها.
فالاشخاص الذين اشتروا “حق الإيجار” واستثمروه هم او ورثتهم الذين حلّوا محلهم، لم يكن حلولهم في المأجور إلّا استنادًا إلى القوانين السارية، أبرزها القانون رقم 11/1967، الذي شرّع الحلول محل المستأجر، وسمح بانتقال “حق الاستثمار” ضمن شروط واضحة، دون ان ننسى ان المستأجر الأول قد دفع اموالاَ طائلة يصل بعضها الى المليون دولار للمباشرة في عمله في المأجور.
إنّ الكثير من المستأجرين الحاليين اشتروا حق الاستثمار التجاري من المستأجر، ودفعوا مبالغ مالية لقاء حلولهم مكان المستأجر الأصلي، أي أنهم دخلوا في علاقة مركبة مبنية على إرادة الطرفين (المالك والمستأجر) ناتجة عن القانون 11/1967 ومعترف بها من المحاكم اللبنانية عبر عقود متراكمة لكن القانون رقم 1/2025 جاء لينهي هذه العلاقة التأجيرية من دون مراعاة لهذه الحقوق المكتسبة، وأصبح اللبناني يشعر انه أمام مساس بمبدأ الأمان القانوني، الذي يشكّل أحد أركان دولة القانون، وان هذا الإنهاءيضرب جوهر العلاقة التعاقدية ويؤسس لسابقة خطيرة في إلغاءالحقوق المكتسبة من القوانين المعمول بها في الدولة اللبنانية.
وهنا لا يفوتنا القول ان عنصر الاخلاقية قد انتفى في العلاقة بين الفريقين خاصة عندما يدفع المستأجر بدل ايجار شهر لا يوازي ثمن ربطة خبز، فالمالك يملك حقًا مشروعًا في الاستفادة من ملكه لكن هذا الحق يجب ألا يُمارس بطريقة مطلقة تتجاهل حقوق الطرف الآخر، لأن العدالة لا تقوم على إلغاء حق أحد الطرفين، بل تقوم على إيجاد توازن واقعي حقيقي بين حق المالك بالاستفادة من ملكهوبين حق المستأجر الذي استثمر وبنى وساهم في إحياء المأجور وتطويره وخلق إسماً ومركزاً تجاريا.
من هنا، فإن إنهاء العقود بطريقة جازمة دون اعتماد أي آلية لتحديد بدل عادل أو تعويض عادل، يُعد إخلالًا بهذا التوازن، ويتنافى مع المبادئ التي أرساها الاجتهاد الدستوري في لبنان وفرنسا، والتي تعتبر أن “القوانين الجديدة لا يجوز أن تبطل الحقوق المكتسبة التي نشأت بموجب قوانين سابقة”.
ان الحل العادل للايجارات في لبنان لن يكون إلّا بالسير بقانون البدل العادل وباستمرارية مشروطة يكون أكثر عدالة ويقوم على المبدأين القانونيين التاليين: استمرارية العقود غير السكنية والسماح ببقاء المستأجرين في مراكز اعمالهم طالما يحافظون على الغرض التجاري أو المهني ذاته وتحديد بدل الإيجار غير السكن كل خمس سنوات يحدّد تعاقديا وإلا حسب البدل العادل بعد اعادة تقييمه خلال ستة اشهر قبل انتهاء مدة العقد ويضاف الى البدل التعاقدي زيادة قانونية سنوية تتساوى مع الزيادة المحددة في المؤشر السنوي لغلاء المعيشة، وفي حال عدم موافقة المستأجر حبياً على الزيادة فالقضاء هو الذي يفصل بتحديد البدل العادل ليتم تمديد العقد او لاعتبار منتهيا وغير ممدد في حال رفض المستأجر قرار المحاكم.
ان العدالة تكون مؤمنة للمالك الذي من حقه الاستفادة من ملكه والمستأجر الذي من حقه الاستفادة مما تكبّده من كلفة على المأجور من انشاءات ومن تحسينات وديكور ومعدات وزبائن واسم وموقع تجاري.
إن هذا النظام قد يحقق عدالة متوازنة ومتحركة، تحترم الملكية من جهة، وتحمي الاستثمار والاستقرار الاقتصادي من جهة أخرى، ولا يتغلّب اي من الفريقين على الآخر.
ان العدالة يجب أن تنطلق من احترام حقوق كلا الطرفين: المالك والمستأجر. بدلاً من أن يركّز المشرّع على حق المالكين فقط، كان يجب عليه أن يضمّن قانونه توازن دقيق بين حقوق كل طرف في ضوء المتغيرات الاقتصادية والمجتمعية لحماية الحقوق وعدم التفريط بهاوأن يعزز مبدأ العدالة التامة في العلاقات التعاقدية، وإنّ المشرّع رغم نيّته في معالجة إشكالية عمرها عقود، إلا أنه أخطأ في المقاربة، لأنه عالج المسألة بمنطق الإلغاء للحقوق التجارية لا الإصلاح.
فالعدالة لا تتحقق بإنهاء العقود، بل بتشريع قانون متوازن جديد ينهي الاختلال بين الحقوق والواجبات، عبر تعديل دوري لبدلات الإيجار السنوية، وبتشريع منصف يجمع بين حق الملكيتين العقارية والتجارية ليؤمن حق الاستقرار الاقتصادي، في وطن أنهكته الفوضى في التشريع والتعاميم ولا يحتمل المزيد من الهزات.
واخيرا.. لقد عملت جاهدا في هذا المقال ان لا انحاز الى اي من الفريقين المتصارعين كل على حقوقه لأن الإنحياز لن يولّد حلّا عادلاً.









