طفح الكيل.. حكومة ميقاتي تخوض معركة الثوابت!… غسان ريفي

في الوقت الذي تنصرف فيه بعض التيارات السياسية الى حصر إهتمامها بالانتخابات النيابية وكيفية مصالحة جمهورها بشعارات تحريضية لا تخدم المصلحة الوطنية العليا في الوقت الراهن، وفيما تهتم تيارات أخرى بتحقيق مصالح سياسية ـ إقليمية من دون الالتفات الى الأزمات التي ترخي بثقلها على البلاد والعباد، يبدو رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي يقاتل وحيدا على جبهات عدة لمنع دخول لبنان في مرحلة الارتطام المدمر بالحفاظ على الحكومة، والاستفادة من الدعم الدولي الذي حصل عليه في غلاسكو على خطيّ حماية الاقتصاد والاستقرار ورعاية فتح الحوار مع المملكة السعودية كمدخل لحل الأزمة الخليجية المستجدة، إضافة الى توفير الأجواء الملائمة لاستقالة وزير الاعلام جورج قرداحي لتبريد الأجواء وإستخدامها كعامل مساعد في حل الأزمة.

عبّر ميقاتي من خلال الكلمة العالية النبرة التي ألقاها أمس في السراي الحكومي، عن حرص رجل الدولة على إشراك كل المكونات اللبنانية في مهمة الانقاذ، لكن في الوقت نفسه بدا وكأنه طفح الكيل لديه من التجاذبات والمناكفات التي تقف سدا منيعا في وجه كل الايجابيات، خصوصا أن ميقاتي الذي عرض الواقع اللبناني الأليم أمام صناع القرار في العالم بشكل لم يشهده لبنان منذ عهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كان ينتظر لدى عودته الى لبنان أن يلاقي مواكبة للجهود التي بذلها من خلال تذليل العقبات في كل الملفات لترجمة الوعود التي قُطعت له والدعم الذي حصل عليه، لكنه وجد أن لا حياة لمن تنادي، ولعل الاجابة السريعة للوزير قرداحي على كلمة الرئيس ميقاتي، وتأكيده بأنه لن يستقيل وأن لا شيء تغير، تشير الى أن الرجل بات أسير معادلة سياسية ـ إقليمية قد يؤدي إستمرارها الى ما لا يُحمد عقباه.

يقف نجيب ميقاتي اليوم على أرض صلبة متحصنا بمهمته الانقاذية، وهو حرص في كلمته على التأكيد على ثوابت المرحلة المقبلة لجهة رفض فرض الرأي بقوة التعطيل والتصعيد الكلامي عبر المنابر، ومواجهة إمكانية أخذ اللبنانيين الى خيارات بعيدة عن تاريخهم وعمقهم العربي، والتصدي لمحاولات الانقلاب على الدستور واعادة الوطن الى دوامة الاقتتال الداخلي والانقسامات، إضافة الى حرص ميقاتي على الالتزام بخارطة طريق لانجاح العمل الحكومي، في أن يكون مجلس الوزراء هو المكان الطبيعي لمناقشة كل الملفات والقضايا بعيدا عن الاملاءات والتحديات والصوت المرتفع والتهديد والوعيد، وعدم تدخل مجلس الوزراء في شؤون لا تخصه وتحديدا في عمل القضاء، كما أكد ميقاتي عزمه على معالجة ملف العلاقة مع السعودية ودول الخليج وفق القواعد السليمة وعدم تركه للتساجل والكباش السياسي.

يمكن القول أن هذه الثوابت ردت على سلوك سياسي في مرحلة كاملة بدأت مع تأليف الحكومة الى توقف جلساتها في 12 تشرين الأول الفائت، وهي عكست إصرار رئيس الحكومة على النجاح في مهمته المدعومة دوليا حيث سارعت الخارجيتين الأميركية والفرنسية الى ملاقاة مواقفه المنسجمة مع تطلعات البلدين الى إنقاذ لبنان وإعادة وصل ما إنقطع مع الدول الخليجية.

رمى الرئيس ميقاتي الكرة في ملعب التيارات السياسية لكي تتحمل مسؤولياتها وجدد الطلب من الوزير قرداحي تحكيم ضميرة وتقدير المصلحة الوطنية، وفي ذلك رسالة واضحة الى كل المعنيين بأن الوضع لا يحتمل ترف الدخول في محاور أو الاستمرار في التعطيل، خصوصا أن ذلك بدأ يخرج من واقعه المحلي الى التهديد العملي لمفاوضات صندوق النقد، وللمشاريع المستعجلة وفي مقدمتها الكهرباء والبطاقة التمويلية، وللانتخابات النيابية التي ينتظرها العالم أجمع، وللبلد برمته مع إنطلاق الاضراب المفتوح لموظفي القطاع العام وإنعكاس ذلك على المؤسسات اللبنانية التي ستغرق في شلل كامل.

تؤكد مصادر سياسية مطلعة أن موقف الرئيس ميقاتي أمس حدد ثوابت ولم يرسم سقوفا، مستبعدة تقديم إستقالة الحكومة التي تبقى ضرورة وطنية، لكنها توقفت مليا عند كلام رئيس الحكومة بأن “أمامنا اجتماعات ولقاءات حاسمة قبل تحديد الكلمة الفصل في كل شأن عقدنا العزم على معالجته بشكل تام، وعلى الجميع ملاقاتنا في هذا العمل الانقاذي”، لافتة الى أن هذا الكلام قد ينطوي على كثير من المفاجآت..


Related Posts


 

Post Author: SafirAlChamal