المقاومة والإنتماء.. دفاعا عن سيادة لبنان!.. وسام مصطفى

لطالما طرح مفهوم المواطنة إشكاليات على مستوى التعريف بمعناه اللغوي واصطلاحه، وتعدّد الاجتهادات بشأنه في أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومردّ هذه الإشكاليات يعود إلى الاختلاف على ترجمة مفهوم الوطن وماهيته وحقوق الفرد ضمن حدود الرقعة الجغرافية التي يتخذها موطناً له، نهائياً أو مؤقتاً، وكذلك إلى الالتباس في الترادف أو التباين بين المواطنة والجنسية التي يكتسبها الفرد حين يحمل بطاقة هوية تفيد بانتمائه لهذا البلد أو ذاك.. وتكبر دائرة الالتباس حين يخرج مفهوم المواطنة من دائرته الضيقة مع الدّولة إلى دائرته الأوسع مع الأمّة، ليرتسم السؤال الجوهري: هل انتماء فرد إلى دولة ما يقوده حتماً إلى الانتماء إلى الأمّة التي تنضوي هذه الدولة في إطارها؟! وهل قضية الانتماء مسألة خاصة تحفظ حقوق الفرد في تأييد أو رفض أي مسألة تتعلّق بالدولة أو الأمّة؟! وما هي حدود التزام الأفراد داخل الدولة نفسها إذا ما واجه هذه الدولة خطر داهم قد يهدّد وجودها، فيحق للفرد التنازل عن مواطنيته تبعاً لحقه الفردي كأولوية خاصة؟!

هذه الأسئلة وغيرها تطفو إلى السطح من خلال التناقضات الراهنة في المواقف الداخلية للأفرقاء اللبنانيين، خصوصاً إذا ما ارتبطت المسألة بالصراع العربي – الصهيوني وبالقضية الفلسطينية، وهي مسألة لم تأخذ يوماً طريقها إلى الاستقرار على مستوى التعاطي اللبناني معها. وعلى الرغم من أن لبنان من الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية إلا أن موقفه من الحروب التي دارت مع الكيان الصهيوني كانت دوماً تنحو باتجاه عدم الاشتباك تأسيساً على اتفاقية الهدنة الموقّعة مع العدو عام 1949، ولقناعة المسؤولين في الدولة بأن لبنان – وهو الدولة المحاذية للكيان المحتل- لا يستطيع أن يتحمّل فاتورة أي حرب يدخلها لوحده لا سيّما بعد أن اتخذ معظم العرب بعد حرب العام 1973 وما تلاها موقف التسوية والإقرار بحل الدولتين على أرض فلسطين.

واليوم مع استمرار معركة طوفان الأقصى التي تجاوزت شهرها الخامس، عاد الحديث عن جدوى اشتراك المقاومة فيها على الجبهة اللبنانية، ولعلّ الدافع الأكبر وراء هذا الموقف هو تحييد لبنان عن مخاطر هذه الحرب بداعي عدم الصلة بين ما يجري على أرض فلسطين وبين لبنان، فيما تؤكد المقاومة على هذه الصلة لدرجة أنها ربطت ما بين وقف العدوان على غزة ووقف العمليات العسكرية ضد مواقع ومستوطنات العدو في شمال فلسطين المحتلة تطبيقاً لمبدأ “وحدة الساحات” الذي تعتمده دول محور المقاومة في مواجهة الكيان الصهيوني، وهو مبدأ ترى بعض الأوساط الداخلية أنه يورّط لبنان ويدفع باتجاه عزله عن المجتمع الدولي، فيما هو بأمسّ الحاجة اليوم إلى لملمة شتات أوضاعه السياسية والاقتصادية المتأزّمة.

ورداً على هذه الدعوى يسأل مؤيدو محور المقاومة: لو كان لبنان يقف على الحياد ولم يتدخّل اليوم كما تدخّل سابقاً لنصرة الشعب الفلسطيني، هل كانت إسرائيل ستضع حدّاً لمطامعها التاريخية والجغرافية في لبنان وثرواته البرية والبحرية؟! وبالنظر إلى تجربة الاجتياح الإسرائيلي ونتائجه في العام 1982، هل وقف العدو عند حد ترحيل المقاومة الفلسطينية من لبنان أم أنها سعت بكل زخمها السياسي ودعمها الدولي لجعل لبنان تابعاً للحظيرة الإسرائيلية وسلخه عن محيطه العربي؟! وبالنظر إلى تاريخ هذا الكيان الإجرامي منذ الإعلان عن وعد بلفور ومجازره التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني وصولاً إلى تهجيره من أرضه وإعلان “دولته” عام 1948 وما تلاها من حروب توسعية ضد العرب.. هل يمكن الركون إلى هذا الكيان وإبقاء لبنان بلداً أعزلاً دون أن يملك مقوّمات الدفاع عن نفسه بالحد الأدنى؟!

ويضيف هؤلاء: وإذا افترضنا أن الاعتماد على المجتمع الدولي هو الطريق الأمثل ليأخذ لبنان حقوقه التي لا تزال مرتهنة لدى العدو، فهل هذا المجتمع هو الذي أجبر إسرائيل على الاندحار عن معظم الأراضي اللبنانية المحتلة في أيار العام 2000؟! أو هو الذي ردع إسرائيل عن شن حروبها على لبنان في أعوام 1993 و1996 و2006؟! وهل هو الذي سيردعه إذا ما اتّخذ قراراً بالاعتداء على لبنان في المرحلة المقبلة أم أنّه سيأخذ موقف المؤيد والداعم لعدوانه كما سجري اليوم في قطاع غزة من مجازر وتجويع وحصار وجرائم يندى لها جبين الإنسانية؟!

طالما سوّغ الأمريكي لنفسه حروبه الاستباقية التي شنّها ضد الدول في العالم بذريعة الحفاظ على الأمن القومي والاستراتيجي للولايات المتحدة، وهكذا تفعل الدول الكبرى لتأكيد هيمنتها على المقاطعات التي تحتلها بشكل مباشر أو غير مباشر، فيما تحظر على الشعوب التحرّك باتجاه نيل حقوقها وتحرّرها من الاحتلال السافر أو المقنّع، وهذا ديدن الحروب على مدى التاريخ، والمقاومة التي تدفع بشبابها إلى أتون المواجهة مع الاحتلال وتبذل التضحيات من شهداء وجرحى وتدمير للقرى التي اعتادت الصمود والتصدي، إنّما تمارس فعلاً استباقياً ينأى بلبنان عن الخطر المحدق بها من قبل الإرهاب الإسرائيلي، وبالتالي فهي تدافع عن فلسطين بدافع الانتماء للأمّة، بقدر ما تدافع عن لبنان بدافع الانتماء للدولة، فلا فاصل لدى المقاومة بين الانتمائين، فحيث يكون للموطن قوة فهو سوف يفرض نفسه رقماً صعباً في المعادلة، فلا يستبيحه عدو ولا يستضعفه صديق، والمقاومة في هذه المواجهة لا تخرج عن القرار الرسمي للدولة اللبنانية، بل هي تجسّد المعادلة الذهبية المبنية على مثلث الجيش والشعب والمقاومة، التي يجب على اللبنانيين بأجمعهم أن يعتمدوها دفاعًا عن لبنان وتحصيناً للوطن وتأكيداً لمفهوم المواطنة الحقّة.


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal