خاص – سفير الشمال
في مدينةٍ اعتادت أن تكتب حكايتها بالحرف، وتواجه أزماتها بالكلمة، يعود معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في نسخته السابعة والستين، فاتحاً أبوابه أمام القرّاء والناشرين والكتّاب، في مشهدٍ يتجاوز حدود بيع الكتب وشرائها، ليطرح سؤالاً أعمق: هل لا يزال الكتاب قادراً على استقطاب اللبنانيين في زمن الشاشات السريعة والأزمات المتلاحقة؟
ليس معرض الكتاب مجرّد موعد ثقافي سنوي، بل مساحة تلتقي فيها الأجيال، وتتقاطع الأفكار، وتُستعاد فيها علاقة الإنسان بالقراءة، في بلدٍ لطالما شكّلت الثقافة إحدى أبرز نقاط قوّته وصورته في العالم العربي. وبين رفوف الروايات والمؤلفات الفكرية والسياسية والتاريخية، يجد الزائر فرصة للابتعاد، ولو مؤقتاً، عن ضجيج الحياة اليومية، والعودة إلى عالمٍ تمنح فيه الكلمات مساحة للتأمل والنقاش واكتشاف وجهات نظر مختلفة.
وتكتسب الدورة السابعة والستون أهمية خاصة في ظل الظروف التي يعيشها لبنان، حيث لم تعد التحديات الاقتصادية والمعيشية وحدها ما يواجهه المواطن، بل باتت الأولويات تتزاحم على حساب الثقافة والكتاب. فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، يصبح السؤال عن مكانة الكتاب في حياة اللبنانيين أكثر إلحاحاً، لا سيما لدى الشباب الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات متعددة للحصول على المعرفة، من المنصات الرقمية إلى المحتوى المختصر الذي تفرضه إيقاعات الحياة الحديثة.
163 دار نشر و90 فعالية ثقافية
وتحمل الدورة السابعة والستون، التي تُقام بين 9 و18 تشرين الأول الجاري في مركز «سي سايد أرينا» على الواجهة البحرية لبيروت، برنامجاً ثقافياً متنوعاً، بمشاركة 163 دار نشر لبنانية وعربية، ونحو 90 فعالية تشمل الندوات والمحاضرات واللقاءات الفكرية والأمسيات الشعرية والموسيقية، إلى جانب حفلات توقيع الكتب والأنشطة المخصصة للأطفال.
ولا تقتصر أهمية هذه الفعاليات على عرض الإصدارات الجديدة، بل تمتد إلى فتح نقاشات حول قضايا الأدب والتاريخ والسياسة والاقتصاد والذكاء الاصطناعي، في محاولة لمواكبة التحولات التي يشهدها العالم، وإعادة الكتاب إلى صلب النقاش العام.
ويحضر الذكاء الاصطناعي في هذه الدورة بوصفه أحد الأسئلة الثقافية الجديدة؛ ففي وقت باتت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر، لم يعد التحدي مقتصراً على الوصول إلى المعرفة، بل أصبح مرتبطاً بالقدرة على التحقق منها وفهمها وتحليلها. وهنا تبرز أهمية القراءة المتأنية، التي لا تمنح القارئ معلومات فحسب، بل تساعده على بناء رأيه وتطوير قدرته على التفكير النقدي.
من عام 1956 إلى اليوم.. حكاية معرض لم تنتهِ
منذ انطلاقته عام 1956 بمبادرة من النادي الثقافي العربي، شكّل معرض بيروت العربي الدولي للكتاب محطة ثابتة في الحياة الثقافية اللبنانية، وواحداً من أبرز المواعيد التي تجمع القراء والناشرين والمثقفين من لبنان والعالم العربي.
وعلى امتداد عقود، شهد المعرض تحولات لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما بقي الكتاب حاضراً بوصفه مساحة للحوار والتعبير وتبادل الأفكار. واليوم، يعود المعرض في ظل تحديات تطال قطاع النشر والمكتبات والقدرة الشرائية، ليذكّر بأن الثقافة ليست ترفاً مؤجلاً إلى حين تحسن الظروف، بل جزء من قدرة المجتمع على النهوض ومواجهة الأزمات.
لكن نجاح المعرض لا يُقاس بعدد دور النشر المشاركة أو الندوات المنظمة وحدها، بل بمدى قدرته على استعادة القارئ، وخصوصاً الشباب، وتشجيعهم على جعل القراءة عادة يومية لا نشاطاً موسمياً. كما أن جذب الزوار إلى الأجنحة يحتاج إلى سياسات ثقافية مستدامة، ومبادرات تتيح الكتاب بأسعار مناسبة، وتعزز حضور القراءة في المدارس والجامعات والبيوت.
في المحصلة، يفتح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب أبوابه حتى 18 تشرين الأول، حاملاً أكثر من مئة وستين دار نشر وعشرات الفعاليات الثقافية، لكنه يطرح في الوقت نفسه اختباراً يتجاوز أيامه العشرة: هل تستطيع بيروت الحفاظ على مكانتها عاصمةً للكتاب والثقافة، في زمن تتراجع فيه القراءة الطويلة أمام سرعة العالم الرقمي؟
فبين كتاب يُفتح على مهل وشاشة تختصر كل شيء في ثوانٍ، تبقى المعركة الحقيقية على الوقت الذي يمنحه الإنسان للمعرفة، وعلى مساحة التفكير الحر في مجتمع يحتاج إلى الأسئلة بقدر حاجته إلى الإجابات.
Related Posts
None found




