قداسة المواقع لا تعلو على سيادة القانون!.. عماد عبد المجيد

 

في الدول التي تسعى إلى ترسيخ مفهوم الدولة والمؤسسات، لا يجوز أن تتحوّل المرجعيات الروحية أو السياسية إلى سلطات استثنائية فوق القانون، ولا أن تصبح النصوص القانونية خاضعة لموازين النفوذ أو الاعتبارات الشخصية. فالقانون وُضع لتنظيم العلاقات، وحماية الحقوق، وتحقيق العدالة، لا ليُطبَّق على الضعفاء ويُستثنى منه أصحاب المواقع والنفوذ.

وتزداد حساسية هذه المسألة حين ينشأ تضارب بين مصالح مرجعية روحية وبين أحكام القانون أو مقتضياته، ثم تتدخل مرجعيات سياسية للضغط على الجهات القانونية أو القضائية، بهدف الوصول إلى نتيجة تخدم طرفاً بعينه، أو تتيح له تجاوز ما يُطلب من سائر المواطنين الالتزام به.

للمرجعيات الروحية من كل الطوائف والمذاهب مكانتها الدينية والاجتماعية والأخلاقية، ودورها في الإرشاد والإصلاح وتقريب وجهات النظر، وقد تكون في كثير من الأحيان ملاذاً للناس في أوقات الأزمات والنزاعات. غير أن احترام هذه المكانة لا يعني منحها حصانة مطلقة من المساءلة القانونية، ولا إعفاء أصحابها من الالتزامات التي تفرضها القوانين النافذة.

فالقداسة، بمعناها الديني، لا ينبغي أن تتحوّل إلى امتياز دنيوي، والمكانة الروحية لا تمنح صاحبها حقاً في تجاوز النصوص القانونية أو تعطيل تطبيقها. بل إن عظمة المرجعية تتجلى في قدرتها على أن تكون قدوة في احترام القانون، والعدل بين الناس، والابتعاد عن تضارب المصالح.

ومن هنا، لا يكمن الإشكال في وجود مرجعيات روحية لها مصالح أو حقوق مشروعة، فهذا أمر قد ينطبق على أي مؤسسة أو شخص، بل في كيفية التعامل مع هذه المصالح عندما تتعارض مع واجبات عامة أو نصوص قانونية، وفي مدى استعداد أصحاب العلاقة للفصل بين موقعهم الروحي ومصلحتهم الخاصة.

تبدأ المشكلة بالتفاقم عندما تتدخل مرجعيات سياسية، مستفيدة من نفوذها أو علاقاتها، للضغط على مرجعيات قانونية أو جهات قضائية، من أجل تعديل مسار قضية أو تعطيل إجراء أو استحداث استثناء لا يستند إلى أساس قانوني واضح.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المطلوب تطبيق القانون، أم البحث عن مخرج قانوني لمصلحة صاحب النفوذ؟

إن اللجوء إلى الوسائل القانونية المتاحة حق مشروع لكل شخص أو مؤسسة، كما أن الاستعانة بمحامٍ أو تقديم مراجعة أو طلب تفسير قانوني لا يُعدّ تدخلاً غير مشروع بحد ذاته. لكن الفارق كبير بين ممارسة حق التقاضي وفق الأصول، وبين استخدام النفوذ السياسي للتأثير في استقلالية القرار القانوني أو القضائي.

واذا كان, ليست بالضرورة كل مسألة قانونية قضية أخلاقية، فإنّ بعض القضايا تكشف عن الفارق بين امتلاك السلطة وحسن استعمالها.

فالمرجعية الروحية التي تدعو الناس إلى الالتزام بالقيم الدينية مطالبة، أخلاقياً، بأن تبدأ بنفسها، وأن تتجنب توظيف مكانتها لتحقيق منافع خاصة على حساب حقوق الآخرين أو المصلحة العامة.

والمرجعية السياسية التي تتحدث عن بناء الدولة وسيادة القانون مطالبة بألّا تجعل علاقاتها وسيلة للتأثير في القرارات القانونية، أو أن تستخدم نفوذها لحماية حلفائها من نتائج أفعالهم.

أما المرجعية القانونية، سواء أكانت جهة إدارية مختصة أم سلطة قضائية، فمسؤوليتها أن تلتزم اختصاصها، وأن تستند إلى النصوص والأدلة والأصول، بعيداً عن الضغوط والمجاملات. مع التمييز بين الجهات القانونية والإدارية والقضائية، لأن لكل منها صلاحيات وحدوداً لا يجوز تجاوزها.

إن الخطر الأكبر لا يكمن في وقوع الخلاف بين المرجعيات، فالاختلاف أمر طبيعي، بل في تحويل النفوذ إلى وسيلة لحسم الخلاف خارج القواعد التي تحكم الجميع.

أما في بلدنا لبنان، حيث تتداخل الاعتبارات الطائفية والسياسية والإدارية والقانونية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة. فالتوازنات الطائفية والسياسية قد تكون جزءاً من الواقع الدستوري والاجتماعي، لكنها لا ينبغي أن تتحوّل إلى مبرر لتعطيل المؤسسات أو تجاوز القانون.

ولا يجوز الخلط بين احترام الخصوصيات الدينية والطائفية، من جهة، وبين منح أي طرف حقاً غير محدود في فرض إرادته على مؤسسات الدولة، من جهة أخرى.

ولا يعني ذلك أن كل تدخل سياسي هو بالضرورة غير مشروع، أو أن كل خلاف بين مرجعية روحية وجهة قانونية يثبت وجود مخالفة. فالحكم على أي واقعة محددة يتطلب الاطلاع على النصوص ذات الصلة، والقرارات الصادرة، والاختصاصات القانونية، والأدلة المتاحة. لكن المبدأ الذي لا ينبغي التنازل عنه هو أن تُحسم النزاعات بالوسائل القانونية المشروعة، لا بموازين النفوذ.

إن احترام المرجعيات الروحية واجب اجتماعي وأخلاقي، واحترام المرجعيات السياسية جزء من النظام العام ما دامت تمارس أدوارها ضمن حدود القانون، أما المرجعيات القانونية والقضائية، فمسؤوليتها أن تحمي الحقوق وتضمن تطبيق القواعد على الجميع.

لكن الاحترام شيء، والحصانة المطلقة شيء آخر؛ والتواصل مع المؤسسات شيء، والضغط عليها شيء آخر؛ وممارسة الحقوق القانونية شيء، وتوظيف النفوذ لتجاوز القانون شيء مختلف تماماً.

فلا ينبغي أن يكون للدين وجهٌ أمام الناس ووجهٌ أمام القانون، ولا للسياسة خطابٌ عن الدولة وممارسةٌ تضعفها، ولا للقانون ميزانان، أحدهما لأصحاب النفوذ والآخر لسائر المواطنين.

إن قوة المرجعية الروحية لا تُقاس بقدرتها على انتزاع استثناء، وقوة المرجعية السياسية لا تُقاس بقدرتها على التأثير في القضاء، وهيبة المرجعية القانونية لا تُقاس بمدى خضوع الآخرين لها، بل باستقلالها وعدالتها والتزامها بالنصوص.

فحين يصبح النفوذ طريقاً إلى الاستثناء، تتراجع المواطنة؛ وحين يصبح القانون خاضعاً للمرجعيات، تفقد الدولة معناها. أما حين يخضع الجميع للقانون، من دون انتقاص من كرامة أحد أو حقوقه، فهناك فقط تبدأ العدالة، وتُصان هيبة المؤسسات، ويستعيد الناس ثقتهم بالدولة.


Related Posts

None found


 

Post Author: SafirAlChamal