الإيجارات ترفض الهدنة.. وأصحاب الشقق بلا رحمة!.. صبحية دريعي

في وقت كان فيه اللبنانيون يترقبون الهدنة الممتدة لـ21 يوم كفرصة لالتقاط الأنفاس، لم تمرّ هذه المرحلة كما كان مأمولاً على صعيد الأعباء المعيشية، وخصوصاً في ملف الإيجارات.

فبدل أن تشهد الأسعار تراجعاً طبيعياً مع هدوء الأوضاع وعودة جزء من الأهالي إلى منازلهم، لا تزال الإيجارات مرتفعة، وكأن شيئاً لم يتغيّر.

خلال الحرب، ارتفعت أسعار الشقق بشكل كبير نتيجة النزوح الكثيف نحو المناطق التي اعتُبرت أكثر أماناً، ما خلق طلباً هائلاً على السكن.

يومها، اضطر كثير من المواطنين إلى القبول بأسعار مرتفعة على أمل أن تكون هذه المرحلة مؤقتة. ومع إعلان الهدنة، ساد اعتقاد واسع بأن السوق سيتوازن تلقائياً، وأن الأسعار ستنخفض مع تراجع الضغط. لكن هذا لم يحصل.

اليوم، يتمسّك عدد كبير من أصحاب الشقق بهذه الأسعار المرتفعة، بل ويُصرّ البعض على فرض شروط إضافية، غير آبهين بواقع الناس ولا بقدرتهم المادية. هذا السلوك لم يعد يُقرأ ضمن إطار العرض والطلب فقط، بل بات يُصنّف كاستغلال مباشر لحالة الخوف التي يعيشها المواطنون.

الخوف لا يزال العامل الحاسم. كثير من العائلات تتردد في العودة إلى منازلها، ليس لأنها غير قادرة، بل لأنها تخشى من تجدّد المواجهات في أي لحظة، ما يعني خسارة الاستقرار الذي حصلت عليه بشقّ النفس.

هذا القلق يُستغل اليوم بوضوح، حيث يجد المستأجر نفسه مضطراً للبقاء ودفع مبالغ تفوق طاقته، فقط لأنه لا يملك بديلاً آمناً.

أحد المواطنين يروي معاناته قائلاً:

“صرلنا أشهر خارج بيتنا، ودفعنا إيجار غالي لأنو ما كان في خيار. قلنا مع الهدنة بترخص الأسعار، بس بالعكس بعدن نفس الشي أو أغلى. صاحب البيت ما رضي ينزل ولا دولار، وطلب منا ندفع كذا شهر سلف، وكأنو وضعنا بيتحمّل”.

وفي إطار متابعة هذا الملف، تواصلنا مع عدد من السماسرة، حيث أكدوا أن الأسعار لا تزال تبدأ من حوالي 600 دولارا للشقق المتواضعة، وترتفع بحسب المنطقة والمواصفات. والأخطر من ذلك، أن معظم المالكين يشترطون دفع عدة أشهر مسبقاً، قد تصل إلى ستة أشهر أو أكثر، وهو ما يُشكّل عبئاً هائلاً على العائلات، خصوصاً في ظل تراجع المداخيل وغياب أي استقرار اقتصادي.

بعض السماسرة برّروا هذا الواقع بأنه “طبيعي” نتيجة الطلب المرتفع، لكن هذا التبرير يصطدم بواقع أن جزءاً كبيراً من السكان بدأ فعلاً بالعودة، ما كان يُفترض أن ينعكس انخفاضاً في الأسعار. إلا أن ما يحصل هو العكس، ما يعزّز الشكوك حول تعمّد إبقاء الأسعار مرتفعة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح على حساب الناس.

المشكلة اليوم لا تقتصر فقط على الأرقام، بل على غياب أي ضوابط أو رقابة فعلية. فالسوق مفتوح على مزاج المالكين، من دون أي اعتبار للظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد. وبين مالكين يرفضون التراجع، ومواطنين محاصرين بالخوف والحاجة، تتحوّل مسألة السكن من حق أساسي إلى وسيلة ضغط واستغلال.

 

Post Author: SafirAlChamal