التاريخ لا يسجّل الأمنيات!.. بقلم: ميشال دمعة

في السياسة كما في الحروب، لا مكان للأمنيات في سجلّ الوقائع.

التاريخ لا يدوّن ما نرغب أن يكون، بل ما حدث فعلاً، بما فيه من صراعاتٍ ودماءٍ وتحولاتٍ كبرى.

من يقرأ تاريخ منطقتنا، يدرك أن الصراع مع العدو لم يكن حادثاً عابراً، بل مشروعاً ممتداً، تشكّلت ملامحه منذ بدايات القرن العشرين، وتحديداً مع وعد بلفور، حين مُنح ما لا يُملك لمن لا يستحق، على حساب شعبٍ وأرضٍ وهوية.

منذ ذلك التاريخ، لم يكن المشروع الصهيوني مجرّد إقامة كيانٍ سياسي، بل مشروع توسّعي قائم على فرض وقائع جديدة بالقوة، مستنداً إلى دعمٍ دولي وإلى سردياتٍ دينية وتاريخية موضوعة في سياق يخدم أهدافه.

مع احتلال فلسطين، بدأت مرحلة جديدة من الصراع، حيث لم يتوقف الأمر عند حدود الأرض المحتلة، بل تعدّاه إلى محاولات التأثير في كامل المنطقة، سياسياً وأمنياً وثقافياً.

لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته الداخلية، لم يكن بعيداً عن هذا المشروع. فمن الاجتياحات العسكرية إلى الاعتداءات المتكررة، وصولاً إلى محاولات خلق واقعٍ سياسي جديد، ظلّ هذا البلد في دائرة الاستهداف. والتاريخ هنا واضح: كل محطة من محطات الصراع تُظهر أن العدو لا ينظر إلى شعوب المنطقة كشركاء محتملين، بل كعقباتٍ يجب تجاوزها أو إخضاعها.

أما في نظرته إلى شعوبنا، فغالباً ما يتم تصنيفها ضمن مقارباتٍ أمنية واستراتيجية، لا إنسانية. تُختزل إلى أرقامٍ في تقارير، أو إلى “مخاطر” يجب احتواؤها. وهذا ما يفسّر الكثير من السياسات التي اتُّبعت على مدى العقود، حيث لم يكن هناك اعترافٌ حقيقي بحقوق الشعوب بقدر ما كان هناك سعيٌ لفرض توازناتٍ تخدم مصالحه.

وفي ظل هذا الواقع، يُطرح السؤال: هل الجلوس مع هذا العدو يُعدّ ورقة قوة، أم أنه شكلٌ من أشكال الارتهان؟ الجواب ليس بسيطاً، لكنه يبدأ من قراءة التجارب السابقة. فالاتفاقات التي عُقدت لم تُنهِ الصراع، ولم تُعد الحقوق كاملةً إلى أصحابها، بل غالباً ما جاءت ضمن موازين قوى مختلّة.

السلام، في أي سياق، يفترض العدالة، والعدالة تعني استعادة الحقوق، لا الاكتفاء بوقفٍ هشّ للصراع.

أما مقولة “من النيل إلى الفرات”، فهي ليست مجرد شعار عابر في أدبيات بعض التيارات، بل تعبير عن رؤية توسعية وجدت طريقها إلى السياسات في مراحل مختلفة.

قد تختلف الوسائل، لكن الفكرة الأساسية بقيت حاضرة: توسيع النفوذ، وإعادة رسم خرائط المنطقة بما يتناسب مع هذا المشروع.

ومنذ وعد بلفور حتى اليوم، لم يكن التخبّط الذي نعيشه قدراً محتوماً، بل نتيجة عوامل داخلية وخارجية متداخلة.

في الداخل، هناك من راهن على إمكانية تحويل العدو إلى صديق، أو اعتبر أن المصافحة قد تجلب الاستقرار. لكن الوقائع التاريخية تُظهر أن العلاقات بين الدول لا تُبنى على النوايا، بل على المصالح، وأن المصالح حين تكون متناقضة جذرياً، لا يمكن تجميلها بالشعارات.

التاريخ لا يسجّل الأمنيات، بل يسجّل من قرأه جيداً وتصرف على أساسه، ومن تجاهله فدفع الثمن.

وبين من يراهن على الذاكرة ومن يراهن على الوهم، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن اختزال قرنٍ من الصراع بمصافحة، ولا يمكن طيّ صفحات الدم بكلماتٍ معسولة. ما يُبنى على القوة والوعي والصمود هو وحده ما يبقى، أما الأمنيات، فمكانها خارج كتب التاريخ.

 

Post Author: SafirAlChamal