في لبنان، ليست الرصاصة وحدها ما يقتل. هناك اغتيالٌ ثانٍ يبدأ بعد الموت، وغالباً ما يكون أكثر قذارةً من الجريمة نفسها.
يُقتل الصحافي، وقبل أن يبرد دمه، تبدأ الجموع بالتفتيش في أرشيفه السياسي، كأن الضحية متّهم لا شهيد كلمة.
يسألون: مع من كان؟ إلى أي محور ينتمي؟ هل كان محسوباً على هذا الاتجاه أو ذاك؟ ثم تبدأ حفلة الرجم: شتائم، شماتة، تخوين، ونبشٌ في المواقف، كأن المطلوب إثبات أن القتيل استحق رصاصة الإغتيال.
أيّ انحطاطٍ هذا؟
بدلاً من ملاحقة القاتل، يُحاكَم المقتول. وبدلاً من الدفاع عن حرية الصحافة، يُنصّب جمهور الكراهية نفسه قضاةً على دم الصحافيين. هنا تسقط الأقنعة.
من يفتّش عن موقف الصحافي السياسي لحظة اغتياله لا يدافع عن قضية، بل يشارك معنوياً في الجريمة. نعم، يشارك فيها.
لأن من يبرّر القتل بسبب الرأي، ولو مواربة، يضع إصبعه على الزناد الرمزي.
في لبنان، لا يرى بعض الناس في الصحافي إنساناً له حقّ الحياة، بل مشروع خصم سياسي حتى بعد موته. إن شابههم قدّسوه، وإن خالفهم رجموه، حيّاً أو ميتاً.
أن يُغتال صحافي، ثم يتحوّل دمه إلى مادة للشتائم، فهذه ليست أزمة إعلام، بل عفونة مجتمع.
والأخطر أن هذا السلوك يصنع ثقافةً تقول للقاتل: اقتل، سنجد من يبرّر لك.
عندما يصبح الرأي تهمة، والاختلاف ذريعةً للرصاص، ويغدو الميت ساحةً لتصفية الحساب، لا يعود الخطر على الصحافيين وحدهم، بل على معنى البلد كلّه.
فالقاتل ليس فقط من ضغط على الزناد.
القاتل أيضاً من فتّش في “خطيئة” الضحية بدل المطالبة بالعدالة، ومن شتم ومن شمت.
في اغتيال الصحافي، قد يطلق الرصاصةَ شخصٌ واحد…
لكن الرجم يشارك فيه كثيرون.




