يزداد الغموض حول ملفات المنطقة التي ما تزال خاضعة لقرار وقف إطلاق النار، في ظل إستمرار التخبط والتناقض في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من شكر إيران على فتح مضيق هرمز، إلى إعلان إستمرار الحصار عليها، ومن الإعلان عن قرب الوصول إلى إتفاق شامل معها في الجولة الثانية من مفاوضات باكستان التي باتت قريبة، إلى تهديدها مجددا باستئناف الحرب عليها.
ينسحب هذا الغموض إلى لبنان الذي تحاول السلطة السياسية فيه نسب جهود وقف النار إلى نفسها كترجمة لمفاعيل جلسة التفاوض اللبنانية الإسرائيلية في وزارة الخارجية الأميركية يوم الثلاثاء الفائت، والمساعي الاقليمية والعربية التي تلتها.
في حين تشير الوقائع إلى أن الهدنة التي ينعم بها لبنان جاءت نتيجة الضغط الإيراني على أميركا كشرط لاستئناف المفاوضات وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية.
في هذا الإطار، تشير المعلومات إلى أن مكالمة عاصفة جرت بين ترامب ورئيس حكومة الإحتلال بنيامين نتنياهو، حول ضرورة وقف إطلاق النار في لبنان، حيث رفض نتنياهو الأمر جملة وتفصيلا، لكنه وجد نفسه مضطرا لتلبية رغبة الرئيس الأميركي والرضوخ لمطالبه.
تقول المعلومات أن إتصالًا جرى أيضا بين ترامب وبين قائد الجيش الباكستاني أبلغه فيه إلى أن وقف إطلاق النار سيبدأ إعتبارا من منتصف ليل الخميس الجمعة، مشيدا بمساعي باكستان حول تخفيض التصعيد في المنطقة.
وقد وعد قائد الجيش الباكستاني الرئيس ترامب ببذل الجهود لإقناع إيران بفتح مضيق هرمز ووفى بوعده، حيث أعلنت طهران عن ذلك بعد نحو 12 ساعة من دخول هدنة لبنان حيز التنفيذ، ما سمح بحسب مصادر مواكبة بتذليل بعض العقبات أمام إستئناف العملية التفاوضية.
في غضون ذلك، يبدو أن ترامب يسعى إلى تجميع الإيجابيات من أجل إرضاء المجتمع الأميركي وإظهار دوره في إحلال السلام، وقد شجعه ذلك على نقض التفاهم الذي أعلنته وزارة الخارجية الأميركية ويتضمن في بنده الثالث، إعطاء إسرائيل حرية الحركة في لبنان من أجل الدفاع عن نفسها تجاه ما تعتبره تهديدا لها.
وقد أكد ترامب في تصريحات لاحقة أن “إسرائيل لن تضرب لبنان بعد اليوم، وأنها ممنوعة من ذلك بقرار أميركي، وكفى يعني كفى”.
موقف ترامب أحدث صدمة لدى نتنياهو، خصوصاً بعدما أظهره بأنه عاجز عن رفض طلباته، وبأنه خسر في هذه الحرب انطلاقاً من فشله في تحقيق الأهداف، سواء في إيران التي يحرص ترامب على إستئناف التفاوض معها، وفي لبنان الذي أكد في تصريح ليلي أنه يريد أن يعيده عظيمًا.
أمام هذا الإحراج الكبير، لجأ نتنياهو إلى توجيه خطاب إلى المجتمع الإسرائيلي في محاولة لتبرير رضوخه لقرار وقف إطلاق النار في لبنان.
استعار نتنياهو في خطابه بعض تفاصيل الحرب الماضية مذكرا بعملية البيجر وبقتل السيد الشهيد حسن نصرالله، وأكد أن “إسرائيل قضت في الحرب الأخيرة على كل قدرات حزب الله، وأنها حققت المنطقة العازلة التي ستتمكن من خلالها حماية المستوطنات الشمالية من صواريخ حزب الله”.
موقف نتنياهو جاء متناقضا مع كل الوقائع التي ثبّتها الميدان، لجهة أن المقاومة بقيت تقصف المستوطنات وتنفذ العمليات العسكرية حتى الدقيقة الأخيرة قبل حلول منتصف الليل ودخول الهدنة حيز التنفيذ.
كما حاول نتنياهو إخفاء حجم الخسائر التي تكبدها جيشه في المواجهات التي شهدتها المناطق الحدودية، وهي 13 قتيلاً و635 جريحاً بين الضباط والجنود الإسرائيليين، 67 منهم في اليوم الأخير من المواجهات، فضلاً عن عدم قدرته على احتلال كامل مدينة بنت جبيل، التي كانت وما تزال تشكل له ولحكومته عقدة كبرى، لا سيما بما يتعلق بكلام السيد نصر الله قبل 26 عاما بأن “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”.
هذا الواقع، دفع المعارضة الإسرائيلية ووسائل الإعلام في الكيان إلى شن هجوم غير مسبوق على نتنياهو متهمة إياه بالفشل في الحرب وبأن ترامب جرّه بالقوة إلى وقف إطلاق النار، وأن ما تشهده إسرائيل اليوم هو بمثابة “كارثة سياسية” سيكون لها إنعكاسات سلبية على مستقبل نتنياهو وخصوصا في الإنتخابات المقبلة.
هذا الضغط الإسرائيلي الداخلي، دفع نتنياهو وبحسب مصادر ميدانية إلى خرق وقف إطلاق النار فجرًا عبر تفجير منازل في مدينتيّ الخيام وبنت جبيل، ما يشير إلى محاولة إنقلاب على قرارات ترامب قد تؤدي إلى تعقيد المشهد مجددًا، خصوصا أن المقاومة أعلنت عبر قياداتها أن لا عودة إلى ما قبل 2 آذار الفائت، وأن أي خرق سيواجه برد مماثل بهدف فرض معادلة ردع جديدة، على قاعدة: “العين بالعين والسن بالسن”.
وبانتظار تبلور صورة المشهد الذي سيكون عليه لبنان في ما تبقى من الأيام العشرة لوقف إطلاق النار وما بعدها، تتفاعل المواقف السياسية وتتعمق الانقسامات حول المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بين ضرورة أن يسبقها وقف كامل لإطلاق النار، أو تجري في ظل الوضع الراهن، علما أن كل التقارير تؤكد أن لبنان سيكون بندًا أساسيًا في جولة المفاوضات الثانية في حال نجحت المساعي الجارية على قدم وساق في عقدها، وقبل إنتهاء مهلة وقف إطلاق النار.






