الأول من نيسان.. عيد “السيادة اللبنانية”؟.. غسان ريفي

في كل عام يحلّ الأول من نيسان بوصفه يوماً عالمياً للمزاح أو للكذب، إلا أنّ هذا التاريخ بات يحمل دلالة سياسية ساخرة في لبنان، بعدما تحوّلت عبارة “السيادة اللبنانية” خلال المرحلة الأخيرة إلى شعارٍ يتكرر في الخطابات الرسمية أكثر مما يتجسّد على أرض الواقع. 

فعلى امتداد خمسة عشر شهراً من الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، بدا الحديث عن السيادة أقرب إلى سردية سياسية منه إلى توصيف فعلي لحال الدولة وحدود سلطتها.

 

خلال هذه الفترة، دفع لبنان أثماناً بشرية ومادية باهظة، حيث سقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى، فيما تعرّضت القرى والبلدات الحدودية لاعتداءات متكررة رافقها دمار واسع ونزوح مستمر. 

وترافقت هذه الأحداث مع ما يزيد على عشرة آلاف خرق إسرائيلي براً وبحراً وجواً، في مشهد يعكس واقعاً أمنياً هشاً يناقض بصورة مباشرة الخطاب الرسمي الذي يؤكد صون السيادة الوطنية.

 

في المقابل، يشدّد رئيس الحكومة نواف سلام في أكثر من مناسبة على سعي حكومته إلى الحفاظ على سيادة لبنان، وصولاً إلى تأكيده، في الذكرى السنوية لنيل حكومته ثقة مجلس النواب، أن الدولة اللبنانية تبسط سلطتها وسيادتها للمرة الأولى منذ عام 1969 على منطقة جنوب الليطاني.

كلام سلام يثير تساؤلات جوهرية في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الخمس الحدودية التي توسعت، واستمرار العمليات العسكرية التي تطال المدنيين والبنية الحياتية في المنطقة، وإعلان وزير الدفاع الصهيوني يسرائيل كاتس عن الدخول إلى عمق ثمانية كيلومترات لفرض المنطقة العازلة في الجنوب، ما يطرح إشكالية الفجوة بين إعلان سلام لبسط سلطة الدولة وممارستها عمليا.

 

وفي موازاة الخطاب الحكومي، برزت مواقف قوى سياسية ونيابية تصف نفسها بـ«السيادية»، ركّزت انتقاداتها على سلاح المقاومة باعتباره يشكل انتهاكاً للسيادة اللبنانية، في حين بدت هذه المواقف شبه غائبة تجاه الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وكأنّ العدوان تحوّل إلى واقع مفروض ينبغي التكيّف والتعايش معه لا مواجهته سياسياً أو دبلوماسياً بالحد الأدنى.

 

هذا التناقض في تعريف السيادة يعكس أزمة أعمق تتعلق بازدواجية المعايير السياسية. فالتدخلات الخارجية، سواء عبر الإملاءات الأميركية أو التدخلات الفرنسية أو الضغوط المرتبطة باللجنة الخماسية وتأجيل الاستحقاقات الدستورية بطلب دولي، لم تُطرح في الخطاب السياسي ذاته باعتبارها مساساً مباشراً بالسيادة. 

كذلك، أثارت تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين بشأن المؤسسة العسكرية اللبنانية، والدعوات إلى إقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، نقاشاً محدوداً حول حدود التدخل الخارجي في الشأن الداخلي اللبناني، رغم حساسيتها السيادية الواضحة واستهدافها للكرامة الوطنية.

 

في هذا السياق، يظهر أنّ مفهوم السيادة في الخطاب السياسي اللبناني بات انتقائياً، يُستخدم وفق الاصطفافات السياسية لا وفق معيار وطني موحّد. فبين من يرى أنّ دفاع المقاومة عن الأرض يشكّل انتهاكاً للسيادة، ومن يتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية كأمر واقع، تضيع المعايير القانونية والسياسية التي يفترض أن تحدد معنى السيادة وحدودها.

 

لا شك في أن السيادة، في معناها الكلاسيكي، لا تُقاس بالشعارات ولا بالبيانات الرسمية، بل بقدرة الدولة على حماية حدودها ومنع انتهاك أراضيها وقرارها السياسي المستقل. وعندما تتكرر الاعتداءات الإسرائيلية دون ردع فعلي، وتُفرض الإرادات الدولية على القرارات الداخلية، يصبح السؤال مشروعاً حول مدى تحقق هذه السيادة عملياً.

من هنا، قد لا يكون توصيف الأول من نيسان كـ”عيد السيادة اللبنانية”؟ مجرد سؤال سياسي ساخر، بل تعبيراً عن تناقض يعيشه أركان الحكم والتيارات السياسية بين خطاب يؤكد اكتمال السيادة وواقع يومي يكشف هشاشتها. 

التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان السيادة، بل في بناء شروطها: دولة قادرة، قرار وطني مستقل، وموقف موحّد يرفض أي انتهاك، أياً يكن مصدره، وهذا كله اليوم غائب بشكل كامل.

وبين الخطاب والواقع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل السيادة في لبنان مشروع قيد التحقيق، أم مجرد عنوان سياسي يُستحضر عند الحاجة.

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal