افتتحت جامعة العائلة المقدسة -البترون وبالتعاون مع خلية المسؤولية الاجتماعية فيها والهيئة الطلاّبيّة، فعاليات اسبوع التنوع بلقاء حواري حول “التنوع الديني في لبنان:العيش المشترك والحوار” شارك فيه راعي أبرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله وإمام مسجد البترون الشيخ محمود النعمان في حضور رئيسة الجامعة الاخت الدكتورة هيلدا شلالا، أعضاءِ مجلس الجامعة، الهيئتين التعليميّة والإداريّة في الجامعة، فريق عمل خلية المسؤولية الاجتماعية صاحبة الفكرة برئاسة الدكتور جوزيان أبي خطار عميدة كلية إدارة الأعمال وعدد كبير من الطلاب.
شلالا
بعد النشيد الوطني اللبناني رحبت الاخت شلالا بالحضور واكدت ان “التنوُّعَ ليسَ مُجرَّدَ واقِعٍ نعيشُهُ، بل قيمةً نعتزُّ بِها ونحتفي، إذ يفتحُ أمامَنا آفاقًا رَحْبَةً للفكرِ والإبداعِ، ويمنحُنا القدرةَ على بناءِ مجتمعاتٍ أكثرَ عدلًا وتماسُكًا. فكلُّ صوتٍ، وكلُّ ثَقافةٍ، وكلُّ تجرِبَةٍ شخصيَّةٍ تُضيفُ حجرًا أساسيًّا لهُ مكانَتُهُ وأهمّيَّتُهُ في صرحِ الإنسانيّةِ المُشترَكة.
واليومَ، إذ نلتقي هنا، نُؤكِّدُ أنَّ احترامَ الآخرِ، والانفتاحَ على الاختلافِ، والعمَلَ المشتركَ، تُشكِّلُ مدامِيكَ وركائِزَ أساسيّةً لبِناءِ مستقبَلٍ أفضلَ؛ مستقبلٍ يقومُ على التّعاوُنِ لا التنافُسِ، وعلى التّفاهُمِ لا الانقسام.”
وأضافت: “إنَّ هذا التنوّعَ الغنيَّ الّذي نعيشُهُ ونَلمُسُهُ في جامعتِنا يتجلّى بوضوحٍ بينَ طُلاّبِنا، كَما في أَوجُهِ التَّعاوُنِ الأكاديميِّ والإداريِّ واللوجستيّ. شعارُنا الدائمُ هو المحبّةُ والاحترام، من دونِ أيِّ تمييزٍ على أساسٍ طائفيٍّ أو مذهبيٍّ أو عِرقيّ وهيَ قيَمٌ راسِخَةٌ غُرِسَت فينا على يدِ المكرَّمِ البطريركِ الياس الحويّك، الّذي نَستَعِدُّ للاحتفالِ بإعلانِهِ طوباويًّا في المستقبَلِ القريب. فَقَد كانَ يردِّدُ دائمًا “طائفتي لبنان”، لا كشِعارٍ فحسب، بل كنَهجِ حياةٍ سعى إلى تجسيدِهِ في الوجدانِ والفكر.”
وختمت:”إنَّ العدوَّ الحقيقيَّ للتّنوُّعِ هوَ ذاكَ الفكرُ الشرّيرُ الّذي يَبُثُّ الفُرقَةَ، كمَن ينثُرُ الزّؤانَ لَيلًا في حقولٍ بريئةٍ لم تعرف سوى العطاءِ والتناغمِ بين عناصِرِ الطّبيعةِ. تلكَ الطّبيعةَ الّتي أرادَها الخالِقُ أن تَنمُوَ وتزدَهِرَ بتناغُمٍ، حيثُ لكلِّ نبتَةٍ تفرُّدُها في تكوينِها وتفاعُلِها وجمالِها. وهكذا نحنُ أيضًا، نختَلِفُ في الملامِحِ والخَصائصِ، لكنّنا نتكامَلُ في الرّسالةِ، ونغتَني بتنوُّعِنا ونزدهِرُ بتعاوُنِنا.
فلنكن أوفياءَ لهذهِ القيمِ، ولنواصلْ مسيرةَ المحبَّةِ والاحترامِ الّتي تجعَلُ من مجتمَعِنا نَموذَجًا حيًّا للتعايُشِ والإنسانِيَّةِ، على أمَلِ أن ينقَشِعَ ظلامُ الحربِ ويُشرِقَ فجرُ السلامِ على وطنِنا وأهلِنا في لبنان.
ولنجعلْ من هذهِ المبادرةِ المجتمعيّةِ فضاءً للحوارِ البنّاءِ، ومِنبَرًا للتجارِبِ المُلهِمةِ، ومجالًا لتَبادُلِ الرُّؤى الّتي تعزِّزُ قيمَ التّسامُحِ والمساواةِ.”
عساف
ثم أدار الدكتور ساسين عساف اللقاء الحواري فأكد ان “الحوار هو امتداد طبيعي لفكرة التعايش وهو ليس ترفا فكريا ولا عملا نخبويا بل ضرورة حياتية وجودية حضارية”.
واشار الى ان “من شروط نجاح الحوار الاعتراف بالآخر، إدارة الاختلاف والبحث عن الجوامع المشتركة. فالحوار بين اللبنانيين لا يعني تفاوضا بين جماعات على الحصص بل هو نقاش حول الخير العام.”
ورأى ان “التعايش هو خيار تأسيسي للكيان اللبناني ثم للدولة اللبنانية وهو شرط لاستمرار هذه الدولة. التعايش ليس تسوية ظرفية بل تعبير عن تنوع مجتمعي وشراكة وجودية قائمة على الاعتراف المتبادل، المساواة في المواطنة وعلى احترام الخصوصيات الدينية.”
خيرالله
وفي مداخلته عن التنوع قال المطران خيرالله:
“بعدما احتفلنا بمرور مئة سنة على إعلان دولة لبنان الكبير نحن بصدد الاحتفال بمئوية الدستور اللبناني. في العام 1920 تمكن البطريرك الحويك من الحصول على اعلان دولة لبنان الكبير، هو أراد لبنان مثالا ونموذجا في التنوع والعيش الواحد واحترام التعددية، دولة تجمع 18 جماعة تلتقي في الوحدة والانتماء للوطن قبل الانتماء والالتزام الديني او الطائفي أو السياسي والاجتماعي.
وبعد البطريرك الحويك، جاء قداسة البابا يوحنا بولس الثاني ليقول بعد 70 عاما في 1990 “لبنان هو وطن الرسالة”، رسالة الحرية والديموقراطية والعيش معا في التنوع واحترام التعددية. ثم جاء البابا بنديكتوس السادس عشر الذي زار لبنان والبابا فرنسيس تكلم كثيرا عن لبنان واخيرا البابا لاوون الرابع عندما زار لبنان اتخذ الرسالة نفسها وقال “لبنان هو جماعة واحدة في جماعات”.
وأضاف: “بالنسبة لديانتنا المسيحية النظرة الى الوحدة في التنوع تنطلق من صلب ايماننا وجوهر ايماننا، الله إله واحد في ثلاثة أقانيم وهذا هو الايمان الذي نعيشه وتعلمه الاناجيل لكي نلتزم به. الله واحد لكنه متنوع بأقانيمه الثلاثة. الله الابن يسوع المسيح صار انسانا ليقرب الله الى البشر وليصالح البشر مع الله وليحترم كل إنسان. هذه هي رسالتنا وهذا هو واجبنا، أن نعيش الوحدة في التنوع.”
وأضاف: “كيف نكون واحدا وكيف نحترم تنوعنا وتعددياتنا الدينية والطائفية والسياسية والاجتماعية وغيرها؟ قداسة البابا لاوون الرابع عشر قال لنا عندما زار لبنان: أنتم شعب لا يستسلم بل شعب يصمد أمام الصعاب ويعرف كيف يولد من جديد، أنتم بلد متنوع وجماعة مؤلفة من جماعات تجمعكم لغة واحدة هي لغة الرجاء وستعيدون معا، مسلمين ومسيحيين، بناء لبنان الرسالة من خلال بناء ثقافة المصالحة والسلام مع بعضكم.”
وتابع خيرالله: “منذ 51 عاما نعيش الحرب وندفع عواقب وخيمة ثمنا لها. علينا أن نعمل معا على بناء لبنان الرسالة من خلال: أولا، قبول الآخر المختلف واحترامه في التعددية، ثانيا، الحوار المنفتح في المحبة والصراحة وثالثا المغفرة والمصالحة.”
وشدد على أن “بناء ثقافة السلام يبدأ بقبول الآخر المختلف عنا واحترامه بما يمثل من انتماء وتراث وثقافة وهذا يعني أن نبتعد عن لغة التحريض والتخوين والدعوة الى الحروب والانتقام. كفى، شبعنا دفع أثمان. اما الحوار فيعني تبادل الآراء بالمحبة والصراحة، الاصغاء للآخر واحترام رأيه. هذا هو المطلوب اليوم منا كلبنانيين لكي ننجح في عملية اعادة بناء لبنان من جديد.”
وأردف: “في موضوع المغفرة والمصالحة، قال البابا لاوون الرابع عشر لنا وقبله البابا يوحنا بولس الثاني ان مسألة الحوار هي مسيرة شاقة وطويلة وتتطلب تغيير الذهنيات واستبدال التربية على الحقد والانتقام بالتربية على المغفرة والمصالحة وصولا الى تنقية الذاكرة أي قراءة التاريخ والتحاور بصراحة ومحبة لكي نشفي جراح الماضي ونتحرر منها.”
وختم: :دعونا نتقارب من بعضنا من جديد، نغفر للإساءة والظلم لكي نصل الى هدفنا، الى السلام لأن لبنان هو وطن السلام. قد تكون المغفرة صعبة ولكننا بحاجة لها وللحوار في ما بيننا لكي نعيش معا بسلام.”
النعمان
ورأى الشيخ النعمان أن “الحوار ليس ضعفا ، بل هو شجاعة العقل في الانفتاح على الآخرين، التنوع فيه غناء لا مصدر نزاع، التنوع الديني في لبنان ليس مشكلة تحتاج لحل بل هو رصيد حضاري وتراكم معرفي “.
واستشهد بآيات من القرآن تؤكد على الوحدة والتنوع وقال: “الاختلاف في الفكر والعقيدة هو سنة كونية تهدف إلى التكامل فلو كان العالم بلون واحد لفقد جماله.لذلك جاءت الآيات القرآنية … وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ
سورة الروم (22)( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة).”
وتابع: “في لبنان هذا التعدد هو ما جعل منه مختبرا للحوار الدائم لبنان رسالة من التعايش إلى العيش المشترك والمواطنة. ليس السكن تعبيرا عن الجوار، إنما العيش المشترك الفعّال. المواطنة هي المظلة التي تحمي الجميع، الحوار لا يعني أن نتنازل عن العقيدة، بل أن نفهم قيم الآخرين لنبني معه وطنا يتسع للجميع، لذلك نقول الآ نسان عدوا ما يجهل.
الحوار ليس شعارا بل هو تبديد الأوهام، الحوار وسيلة لكسر الجدران. دائما ما نبني مواقفنا من الآخر بناء على تراكمات وإشاعات وأحكام مسبقة.”
وتوجه الى الحضور بالقول: “الحوار الحقيقي يبدأ من هنا من الشباب من حرم الجامعات فهو المكان الأمثل لتفكيك صورة الماضي. الشباب هم جسر للعبور نحو المستقبل أنتم عناصر فاعلة ولستم مجرد أرقام وأسماء. نحن نرفض خطاب التحريض بكل ألوانه وأشكاله. نحن مع نشر ثقافة المحبة والسلام والتقارب مع أهلنا أبناء البلد الواحد. قدرنا أن نعيش سويا وليس خيارا ، نحن في سفينة الوطن، نحن كالألوان في اللوحة الواحدة لا تكتمل الصورة إلا بهذه الألوان. وقدرنا أن نكون في سفينة واحدة. إذا نجت نجونا جميعا ، وإن أصابها وهن أصابنا جميعا. قدرنا أن نحول هذا العيش المشترك من شعار يرفع في المناسبات إلى ثقافة يومية تمُارس في الجامعات والبيوت والشوارع وسوق العمل.”
وختم بآية من القرآن الكريم: ” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.”
ثم كان عرض باللغات الثلاثة وبلغة الاشارة من أعضاء الخلية حول عيش التنوع والتعددية في الجامعة.
جرى بعد ذلك التوقيع على ميثاق التنوع فمحطة أمام فسيفساء الأصول في حديقة الجامعة.




