لبنان بعد الحرب: مخاطر لا تجد من يبدّدها!.. عبدالكافي الصمد

لا يُخفي كثيرون، علناً أو بشكل مُضمر، مخاوفهم من أنّ ما ينتظر لبنان بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية الحالية عليه لا يُبشّر بالخير، وأنّ أيّاماً صعبة مقبلة عليه ستجعله يغرق في أزمات قد لن يجد له مخرجاً منها إلّا بأثمانٍ باهظة.

هذا الإنطباع تكوّن عند أغلب اللبنانيين وتزايد وكبُر عندهم مثل كرة الثلج منذ عملية “طوفان الأقصى” التي نفّذتها قوى المقاومة في قطاع غزّة، في 7 تشرين الأوّل من العام 2023، وما أعقب ذلك من “حرب إسناد” قامت بها المقاومة في لبنان، على رأسها حزب الله، ما جعل لبنان عرضة لاعتداءات إسرائيلية واسعة لم تتوقف برغم التوصّل إلى اتفاق “وقف العدوان” في 27 تشرين الثاني من العام 2024، حيث استمر العدو باعتداءاته اليومية على لبنان طيلة أكثر من 14 شهراً، متسبّباً بسقوط شهداء وجرحى ودمار وتهجير، برغم التزام حزب الله وحلفائه في محور المقاومة بالإتفاق، إنّما من غير أن يلتزم به العدو الإسرائيلي طيلة الفترة السّابقة، ومن غير أن يتمكن أيّ طرف من إجباره على الإلتزام به.

هدنة الـ14 شهراً من طرف واحد، هو حزب الله، سقطت في 2 آذار الماضي عندما اندلعت مواجهة من العيار الثّقيل بين حزب الله وإسرائيل، ما تزال مستمرة وبشكل متصاعد، وأسهمت في زيادة الشّرخ بين اللبنانيين بشكل غير مسبوق، وأرخت تداعياتها الثقيلة على البلد في كلّ المجالات.

وإذا كان الدّمار الذي أحدثه العدوان الإسرائيلي يمكن معالجته بإعادة إعمار ما تهدّم برغم كلفته الهائلة، وموجات التهجير يمكن تجاوزها بعودة الأهالي تدريجياً إلى أغلب مناطقهم التي تحوّلت إلى ركام، والمجالات الإقتصادية والتربوية والإجتماعية والبنى التحتية وغيرها التي أصيبت بأضرار كبيرة فإنه يمكن إصلاحها وإخراجها من أزماتها، وكذلك كلّ ما لحق بالحجر والشّجر والمياه من خسائر يمكن تعويضها، فإنّ الإنقسام العمودي الكبير بين اللبنانيين أوجد هوّة كبيرة يصعب ردمها خلال وقت قصير، وربما تحتاج إالى سنوات وعقود قبل تجاوزها والقفز فوقها.

فالخلافات والإنقسامات بين اللبنانيين، سياسية وطائفية ومذهبية وغيرها، كانت موجودة منذ نشأة الكيان في العام 1920، وتفجّرت بشكل كبير في 13 نيسان عام 1975، إلى أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها في العام 1990 بعد اتفاق الطائف، وإثر تدخّل إقليمي ودولي من أجل وضع حدّ لحرب تحوّلت إلى عبثية وباتت عبئاً على المشاركين فيها، داخلياً وخارجياً.

غير أنّ جمر الإنقسامات والخلافات بين اللبنانيين بقيت موجودة تحت الرّماد إلى أن خرجت بعد عملية طوفان الأقصى، وبرزت في بعض المحطات وعلى فترات متقطعة سابقاً، إنّما بشكل هائلٍ خلال الشّهر الماضي، خصوصاً في الشّارع والمناطق المختلطة، أو على مواقع ومنصّات وسائل التواصل الإجتماعي، إضافة إلى وسائل الإعلام التقيلدية والإلكترونية، حيث بات كلّ طرفٍ أو فريقٍ أو شخصٍ لا يتوانى عن تهديد الآخر ووعيده بالويل والثبور وعظائم الأمور بعد انتهاء الحرب، ومن الشّماتة به إذا ما لحق به ضرر مادي أو معنوي، وتحريض العدو عليه، ما طرح أسئلة عدة مقلقة ومخيفة حول كيف سيتعامل اللبنانيون بين بعضهم بعد انتهاء الحرب، وكيف سيتحاورون حول مختلف القضايا، وكيف سيعالجون مشاكلهم الكثيرة، وكيف سيتشاركون في إدارة البلد وحكمه في المرحلة المقبلة، وكيف سيتجنبون حرباً أهلية جديدة يُهدّد كثيرون بها، من غير أن تجد من يرفضها ويبدّدها مسبقاً ويئدها في مهدها، سواء في الداخل الذي بات الحكماء فيه الذين يعملون على الجمع لا التفريق قلّة، أو في الخارج الإقليمي والدّولي المنشغل بقضاياه وأزماته العديدة.

Post Author: SafirAlChamal