نجيب ميقاتي.. حين يُختزل الإنجاز برسائل العتب!..

كتب المحرر السياسي

ليس من الصعب أن يُكتب نصّ مؤثّر عن طرابلس تُستحضر فيه مفردات الانهيار والخوف والعتب.

كلّ من يعرف المدينة يدرك حجم الألم الذي تعيشه، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن نكون عادلين ونحن نعاتب، ومنصفين ونحن نحمّل المسؤوليات، ومنطقيين في تصويب الأمور، لأن تحويل الأزمة البنيوية العميقة التي تضرب لبنان كله إلى تقصير شخصي محض، هو تبسيط ساذج لا يخدم الحقيقة، بل يدخل في إطار تسجيل النقاط الذي لا يخدم طرابلس.

حين يُخاطَب الرئيس نجيب ميقاتي وكأن المدينة تُركت بلا فعل، يُغفل عن قصد أو عن غير قصد مسارًا طويلًا من المبادرات التي لم تكن شعارات، بل تدخلات ملموسة في أكثر القطاعات حساسية منذ العام 1989 عندما تأسست جمعية العزم والسعادة الإجتماعية بمبادرة من الأخوين طه ونجيب ميقاتي.

في التعليم، لم يكن دعم المدارس الرسمية تفصيلًا عابرًا، فأكثر من خمسين مدرسة في طرابلس خضعت لأعمال ترميم وتأهيل على نفقة الجمعية شملت البنية التحتية والمختبرات والتجهيزات، في وقت كانت فيه الدولة بالكاد قادرة على دفع رواتب، وقد شكل هذا الاستثمار دفاعًا مباشرًا عن بقاء أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة داخل التعليم الرسمي بدل دفعهم نحو التسرب القاتل.

في النسيج العمراني والديني، لم يُترك الأمر للإهمال وحده، مساجد كثيرة رُمّمت، وكلفة مسجد العطار المملوكي في أسواق المدينة ضربت رقما فلكيا وما يزال مرشحا للإرتفاع، وسوق القمح والسوق العريض أعيد تأهيله على طرازه المملوكي، وعشرات المباني المتصدّعة جرى التدخل لمنع سقوطها، أما الأبنية التي تعطّل ترميمها، فالقصة ليست دائمًا نقص تمويل أو غياب إرادة، بل في كثير من الأحيان نزاعات ملكية وتعقيدات قانون الإيجارات القديم، حيث وقف بعض المالكين في وجه قطاع العزم الإنمائي لأن الإيجارات الزهيدة لا تسمن ولا تغني من جوع، وتحميل هذه العقدة القانونية لشخص واحد فيه قدر من التجني على المنطق.

في الصحة، وبينما تأخذ كلفة الطبابة طريقها إرتفاعا إلى مستويات غير مسبوقة، شكّلت مستوصفات العزم الأربعة شبكة أمان حقيقية لآلاف العائلات، من خلال خدمات طبية شبه مجانية وأدوية بأسعار رمزية وحملات وقائية وصور شعاعية وتحاليل مخبرية وتدخل لتسكير فوارق الضمان ووزارة الصحة في العمليات الجراحية، وفي مدينة يلامس فيها الفقر حدودًا قاسية، لم تكن هذه الخدمات عملاً ثانويًا، أو ترفا بل ضرورة يومية وهي ما تزال مستمرة وبوتيرة مرتفعة.

في ميدان الفرص، لم تقتصر الجهود على المساعدات الظرفية، منح مدرسية وجامعية استفاد منها آلاف الطلاب داخل لبنان وخارجه، دعم لمشاريع صغيرة ومتوسطة للمساهمة في خلق مصدر دخل مستدام، إنارة شوارع ودعم مؤسسات وإيجاد طاقات شمسية لدور العجزة، وهذا النوع من التدخل لا يحلّ أزمة مدينة كاملة، لكنه يمنع سقوطًا أشمل.

أما في رمضان فحدث ولا حرج، من موائد الرحمن، الى المساعدات الغذائية، الى جيش العزم الذي يوصل الوجبات الغذائية الى المنازل ساخنة عند الإفطار، الى توزيع مكونات الطبخات الرمضانية أسبوعيا من خضارها ولحومها ودجاجها مع المستلزمات التابعة لها لكي تتمكن العائلات المتعففة من تأمين إفطارها بكرامة ومن دون ذل سؤال، ناهيك عن تمر رمضان وحلو العيد.

لا شك في أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الخلل الذي أصاب المدينة هو جزء من خلل الدولة اللبنانية نفسها: مركزية خانقة، فساد إداري متراكم، تضارب صلاحيات، وانهيار اقتصادي غير مسبوق، وفي مثل هذا السياق، لا يستطيع أي رئيس حكومة، مهما كانت نواياه أو إمكاناته، أن يعيد بناء مدينة بمفرده، ورغم ذلك ومع 14 جولة عنف في سنة وثمانية أشهر من حكومته الثانية إفتتح نجيب ميقاتي قصر عدل طرابلس الجديد، والمبنى الجامعي الموحد في الهيكلية، وأطلق عملية تطوير وتوسعة مرفأ طرابلس، وأقر مئة مليون دولار للمدينة تمت عرقلتها بمؤامرة دبرت بليل، بينما كانت وعود بمشاريع تنهال من جهات سياسية أخرى في زمن إنتخابي من دون أن تبصر النور.

طرابلس تحتاج دولة فاعلة، لا رمزية سياسية فقط، لكنها أيضًا لا تحتمل فراغًا في لحظة اهتزاز. فوجود شخصية من طراز نجيب ميقاتي في المدينة ليس تفصيلًا شكليًا، بل عنصر تمثيل سياسي وازن، وأمان إجتماعي وقناة تواصل مع مؤسسات الدولة والخارج، وعامل استقرار في بيئة هشّة.

في مدن كثيرة، المشكلة ليست في وجود شخصية مؤثرة، بل في غياب أي حضور قادر على التأثير، فاليد الواحدة لا تصفق ويعلم كل مواطن وشريف أن نجيب ميقاتي يراد له أن يتحمل وزر تراكم إهمال السنين وتقصير تيارات سياسية وحكومات عدة، والكل يعلم أن في ذلك ظلم كبير وإفتراء أكبر.

طرابلس لا تُبنى بخطاب الندم ولا برسائل العتب، ولا تُنقذ بالمزايدات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تُبنى بخطط واقعية، وبشراكات، وبمسؤولية جماعية، وإذا كان من حقّ أبناء طرابلس أن يطالبوا بالمزيد، وقد يكون هذا حقهم الكامل، فمن الواجب أيضًا أن تُقرأ الصورة الإيجابية كاملة وليس بشكل مجتزأ.

المحاسبة مطلوبة، لكن العدالة في المحاسبة أهم.

والسؤال اليوم ليس من نعاتب، بل كيف نتكاتف لنمنع ما تبقّى من الانهيار.

أما الرجال، فتُقاس أفعالهم بالحصيلة، لا بالانطباعات ولا بالإبتزاز ولا برسائل من تحت الماء، خصوصا أن ما ذُكر غيض من فيض ومن له عينان فليرى، ومن له أذنان فليسمع.

 

Post Author: SafirAlChamal