على مشارف عيد الحب، شهد لبنان خلال أيام قليلة تسارعاً لافتاً في الأحداث، أعاد الجنوب إلى صدارة الأولويات الوطنية. الطريق لم تُفتح جغرافياً فحسب، بل سياسياً أيضاً، كعودة معنوية للدولة إلى قرى أنهكتها الحرب وأثقلت بيوتها وأرزاق أهلها.
في هذا الإطار، اعتمد رئيس الحكومة نواف سلام خطة إنمائية وضعت الجنوب في صلب الأولويات، تحت عناوين واضحة: إعادة الإعمار، تعزيز حضور الدولة، وحصر السلاح بيدها، بما يضمن عودة الحياة الطبيعية وحق المواطنين في العيش الكريم.
الرسالة واضحة: حقوق الإنسان الأساسية لا تُجزّأ، ولا يجوز أن تبقى رهينة أي ظرف سياسي أو أمني.
الجنوب، الذي كان ساحة مواجهة، يُراد له اليوم أن يتحوّل إلى مساحة حياة، حيث تعود المدارس والحقول والأسواق، لتصبح التنمية الوجه العملي للسيادة.
ولا يكتمل مشهد عودة الدولة من دون الالتفات إلى طرابلس، حيث لا تقلّ معاناة الأبنية المتصدّعة خطورة عن آثار الحرب في الجنوب. في أحياء المدينة القديمة، يعيش كثيرون تحت سقوف متعبة وجدران مهدَّدة، وقد سقط ضحايا جرّاء انهيارات كان يمكن تفاديها لو حضرت الدولة مبكراً. هناك، لا يكون الخطر احتمالاً، بل واقعاً يومياً ينام الناس على قلقه ويستيقظون عليه. فالإعمار لا يكون على الحدود فقط، بل يبدأ أيضاً من البيوت الآيلة للسقوط، لأن الأمان السكني حقّ أساسي لا يقلّ عن أي استحقاق وطني.
بالتوازي، تحضر ذكرى استشهاد رفيق الحريري بما كانت تحمله من رمزية مرحلة الحريرية السياسية، المرتبطة بالإعمار وبناء المؤسسات والانفتاح العربي، ولا سيما تحت المظلّة السعودية. ومع عودة هذا الإرث إلى النقاش العام، يتجدّد السؤال: هل لبنان مقبل على استعادة نموذج سياسي سابق، أم على مرحلة جديدة تفرضها التحولات الإقليمية وتبدّل موازين القوى؟
بين الجنوب والشمال، تدخل البلاد تدريجياً أجواء الانتخابات النيابية. حركة الترشيحات نشطة: أسماء تتقدّم وأخرى تتراجع، مرشّحون ينسحبون وآخرون يعلنون خوض المعركة. إلا أن المزاج الشعبي أصبح أكثر تركيزاً على الأداء والإنجاز، لا على الشعارات.
مع اقتراب عيد الحب، يتجاوز السؤال رمزية المناسبة:
هل سيزهر الوطن من جديد كما يزهر الربيع في القرى الجنوبية؟
هل تبدأ مرحلة تعافٍ حقيقي تعيد للدولة حضورها وللناس كرامتهم، أم يبقى لبنان أسيراً للدورات الانتقالية والأزمات؟
بين الإعمار والذكرى والاستحقاق الانتخابي، يقف لبنان عند مفترق طرق، والأيام المقبلة وحدها ستحدّد أيُّ وطنٍ سيعود.




