أثار قرار وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار تنفيذ حملات صارمة ضد الدراجات النارية و”التوك توك” غير المسجّلة في مناطق الشمال موجة اعتراض واسعة في صفوف السائقين، الذين رأوا فيه استهدافًا مباشرًا لمصدر رزقهم في واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان.
وترجم هذا الاعتراض بتحركات ميدانية متصاعدة في طرابلس وعكّار، تمثّلت باعتصامات وقطع طرق وإشعال إطارات، انطلقت من ساحة النور لليوم الثاني على التوالي، قبل أن تمتد إلى مفارق حيوية في المدينة، وصولا إلى عكار.
ويؤكد المحتجّون أنّ المشكلة لا تكمن في مبدأ تطبيق القانون بحدّ ذاته، بل في توقيته القاسي وآلية تنفيذه، معتبرين أنّ الرسوم المفروضة لتسوية الأوضاع القانونية تفوق قدرتهم المعيشية في ظل مداخيل شبه معدومة.
ومن ساحة عبد الحميد كرامي، لوّح المعتصمون بتصعيد تحركاتهم وقطع الطرق الرئيسية والفرعية، في حال لم تبادر وزارة الداخلية إلى منحهم مهلة زمنية لتسوية الأوضاع وتخفيض الرسوم، مشدّدين على أنّ الدولة “تشدّد إجراءاتها على الفئات الأكثر فقرًا، فيما تغضّ النظر عن مخالفات أكبر في ملفات أخرى”
وفي المقابل، ترى مصادر رسمية وأمنية أنّ للحملة أبعادًا إيجابية لا يمكن تجاهلها، خصوصًا في ما يتعلّق بالحد من الفوضى المرورية، وضبط المخالفات التي تسبّبت في السنوات الأخيرة بعدد كبير من الحوادث، فضلًا عن استخدام الدراجات غير المسجّلة في عمليات سرقة وإشكالات أمنية في بعض المناطق.
وتشير هذه المصادر إلى أنّ تنظيم هذا القطاع يساهم في تعزيز السلامة العامة، وحماية المواطنين، سواء السائقين أنفسهم أو مستخدمي الطرقات، إضافة إلى إعادة الاعتبار لهيبة الدولة وتطبيق القوانين التي بقيت معلّقة لسنوات طويلة.
وكان الوزير الحجار قد أطلق هذه الحملة بالتزامن مع يوم أمني شامل في مختلف المناطق اللبنانية، بتوجيهات من رئيس الحكومة نوّاف سلام، وتشمل الإجراءات حجز الدراجات غير المسجّلة، والتدقيق في رخص القيادة، سواء كانت المركبات متوقفة أو تسير على الطريق، مع فرض غرامات مالية مرتفعة بحق المخالفين.
وجاء القرار بعد تعميم رسمي شدّد على ضرورة ضبط مخالفات الدراجات النارية والتوك توك، في ظل تزايد استخدامها في نقل الركاب بشكل غير قانوني، وما يرافق ذلك من فوضى مرورية، ومشاكل تتعلّق بالتأمين والسلامة والمسؤولية القانونية عند وقوع الحوادث.
إلا أنّ الاعتراض في الشمال لا يتركّز على مبدأ التنظيم بحد ذاته، بل على الكلفة المالية المرتفعة التي يعتبرها السائقون “غير قابلة للتحمّل” مقارنة بمداخيلهم المحدودة. إذ يؤكّد أحد أصحاب الدراجات، الذي صودرت دراجته وفضّل عدم ذكر اسمه، أنّ الدولة “تتشدّد فقط مع الفئات الفقيرة”، بينما تتغاضى عن مخالفات كبرى في ملفات أخرى
وبين منطق الدولة في فرض النظام، وواقع الشارع الشمالي المثقل بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يقف ملف الدراجات النارية والتوك توك عند تقاطع حسّاس بين القانون والمعيشة، حيث تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة متوازنة تجمع بين تطبيق القانون من جهة، ومراعاة البعد الاجتماعي وتأمين بدائل واقعية من جهة أخرى، منعًا لتحوّل الإجراءات التنظيمية إلى عامل توتر.




