فاقدُ الشيء لا يعطيه!.. غسان ريفي

ثمة مراوحة قاتلة تسيطر على الساحة اللبنانية تجاه كيفية التعاطي مع الإعتداءات الاسرائيلية المستمرة على لبنان، والتي دخلت الى واقع الانقسامات الداخلية بين من يستنكرها ويدينها ويسعى الى الحد منها، وبين من يبررها ويروّج لسرديات العدو ويتبنى مواقفه، وبين من يقف عاجزا أمامها، وبين من يرقص على جراح المعتدى عليهم ويبالغ في “عنترياته” حول سحب السلاح وقرار الحرب والسلم بهدف تحقيق شعبية أو تقديم كاريزما أو إظهار قوة أمام الرعاة العرب والدوليين، في حين أن “فاقد الشيء لا يعطيه”.

العدوان الاسرائيلي الأخير على قرى الجنوب ما يزال يتفاعل سياسيا، مع بعض المحاولات الجارية من قبل بعض التيارات لتوظيفه في ممارسة المزيد من الضغط على المقاومة وتحميلها مسؤولية ما يحصل، في وقت ما تزال المقاومة تلتزم وقف إطلاق النار وتؤكد وقوفها خلف الدولة والجيش، وما الكتاب الذي وجهه حزب الله الى الرؤساء الثلاثة سوى تجديد لموقف الحزب الذي لم يتبدل منذ إتفاق وقف إطلاق النار، وتنبيه على ضرورة عدم إعطاء إسرائيل مكاسب في المفاوضات لم تتمكن من الحصول عليها في الحرب.

وفي الوقت الذي يحاول فيه البعض ربط العدوان الاسرائيلي على قرى الجنوب بكتاب الحزب، كان لافتا أن هذا العدوان تزامن مع إنعقاد جلسة مجلس الوزراء وخلال تقديم قائد الجيش العماد رودولف هيكل التقرير الثاني حول خطة الجيش لحصرية السلاح بيد الدولة، ما يؤكد أن العدوان كان رسالة للدولة اللبنانية ولجيشها وإشارة الى غضب إسرائيلي من الحكمة والواقعية التي تتعاطى بهما المؤسسة العسكرية، لذلك فهي لم تتوان عن إستهداف محيط ثكنة الشهيد المقدم محمد فرحات التي رفض عناصر الجيش إخلاءها بفعل تهديدات أفيخاي أدرعي، وهذا ما دفع العماد هيكل الى تقديم إقتراح الى مجلس الوزراء بتجميد خطة حصرية السلاح الى حين إنتهاء العدوان الاسرائيلي، وهذا ما دفع رئيس الجمهورية في الوقت نفسه الى التأكيد بأن “الرسالة وصلت”.

إذاً، هي إسرائيل التي لا تقيم وزنا لا لمفاوضات ولا لإتفاق وقف إطلاق نار، ولا للقرار الأممي 1701، بل تسعى الى تحقيق أهدافها بدفع لبنان الى الاستسلام وتشريع إحتلالها والموافقة على تشكيل المنطقة العازلة عند الحدود الجنوبية وتهجير أهالي 14 بلدة لبنانية، الأمر الذي يُفقل الأبواب أمام الحلول كافة ويضع لبنان في دائرة الانتظار الى حين بلورة تفاهمات دولية وإقليمية تنعكس عليه إنفراجا أو تفجيرا في المرحلة المقبلة.

في غضون ذلك، أثارت تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام الكثير من الاستغراب، خصوصا أنها جاءت بعيدة كل البعد عن الواقع، وكأن سلام يعيش حالة إنكار، أو إنفصام، أو في كوكب آخر، فهو لم يصدر أي بيان إستنكار أو إدانة للعدوان الذي كان الأقوى بنيرانه ومؤشراته منذ وقف إطلاق النار، ولم يكلف وزير خارجيته يوسف رجي تقديم شكوى الى مجلس الأمن الدولي، ولم تنجح إتصالاته ودبلوماسيته المستمرة منذ عشرة أشهر في الحد من هذا العدوان، ولم يتمكن من الضغط على المجتمع الدولي لتحقيق ذلك، ويبدو في الوقت نفسه عاجزا عن المواجهة ومن دون حول ولا قوة ولا قدرة، ثم بعد ذلك يرفع السقف ليؤكد أن “الحكومة إستعادت قرار الحرب والسلم”، فعن أي حرب يتحدث رئيس الحكومة فيما التهديدات الاسرائيلية تتعاظم بتجديد الهجمات العدوانية أو توسيعها، وعن أي سلم يتكلم وإسرائيل تزنر لبنان بزنار من نار الاعتداءات، وعن أي سيادة يحافظ “السياديون” ومن يدورون في فلك الرئيس سلام، وهم من يمعن اليوم بإنتقاد رئيس الجمهورية على تكليفه الجيش بالتصدي لأي توغل إسرائيلي في المناطق المحررة!..

 


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal