الإنتخابات البلدية في جبل لبنان.. معارك أحجام سياسية تؤسس للإستحقاق النيابي!.. غسان ريفي

إستعادت الديمقراطية وهجها في إستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية الذي تم إنجاز مرحلته الأولى في جبل لبنان يوم أمس بنجاح وبإحتضان كامل من أركان الدولة اللبنانية، من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الذي أشرف على إنطلاقتها، الى رئيس الحكومة نواف سلام الذي تابع عملية إقفال الصناديق، الى وزير الداخلية أحمد الحجار الذي لاحق كل شاردة وواردة، الى القوى الأمنية والعسكرية التي عملت على حفظ الأمن داخل أقلام الاقتراع وخارجها لتأمين أمن وسلامة المواطنين وحسن سير العملية الانتخابية التي سارت على ما يرام.

وبالرغم من هذا الاحتضان الرسمي للإنتخابات والحرص على سلامتها بكل مندرجاتها، فإن ذلك لم يحل دون حصول إشكالات في بعض الأقلام نتيجة خلافات وإحتكاكات وإستفزازات بين متخاصمين ترجمت حجم الاحتقان السياسي بين التيارات والأحزاب المتنافسة أو بين العائلات التي تنتمي الى تيار واحد ومنقسمة على بعضها البعض، أو بفعل صعود المستقلين الذين واجهوا اللوائح المدعومة سياسيا بقوة.

وقد سجل خلال اليوم الانتخابي أكثر من 450 شكوى لدى وزارة الداخلية تم تحويلها الى الجهات المختصة للإطلاع عليها والبت فيها، وهي تنوعت بين مخالفة القانون وتعاطي رؤساء الأقلام مع مندوبين أو ناخبين، والرشاوى الانتخابية ودفع الأموال بشكل مشبوه.

أوحت نسبة الاقتراع المرتفعة والتي بلغت 45.8 في إجمالي أقضية جبل لبنان وسجلت إرتفاعا في كسروان لتصل الى 60 بالمئة، وفي جبيل لتبلغ 57 بالمئة، بأن ثمة حماسة شعبية للإنتخابات البلدية وحصول التغيير المنشود وذلك بعد تسع سنوات، ثلاثة منها جرى خلالها تمديد ولاية المجالس البلدية بسبب الأوضاع والظروف الصعبة في البلاد، كما عكس ذلك حماوة المعارك والتنافس السياسي حيث سجل حضور كبير للماكينات الانتخابية العائدة للتيارات والأحزاب والمستقلين وهي عملت على تحفيز المواطنين على المشاركة والاقتراع بكثافة.

وشكلت الانتخابات البلدية في جبل لبنان إختبارا سياسيا هاما للمزاج الشعبي العام بالنسبة للسلطات المحلية بعد سلسلة من الأزمات والانهيارات التي شهدها لبنان وإنعكست سلبا على المواطنين، كما كشفت مدى قدرة التيارات والأحزاب التقليدية على إستعادة ثقة جمهورها، وقدرة المجموعات المستقلة والتغييرية على تنظيم صفوفها وعلى المواجهة، وقدرة العائلات على التحكم في القرار المحلي وفرض نفوذها على التيارات السياسية، خصوصا أن كثيرا من البلدات في أقضية جبل لبنان إستعصت على هذه التيارات، بالرغم من أنها من لون سياسي واحد، حيث طغت الخلافات العائلية على الإنتماء السياسي.

يمكن القول إن معركة أحجام سياسية شهدتها محافظة جبل لبنان، خصوصا أن كل التيارات والأحزاب عملت جاهدة لتلافي أي تراجع لها قد تكشفه هذه الانتخابات، حيث بدا التيار الوطني الحر بالرغم من خروجه من السلطة وتراجع نفوذه وشعبيته حاضرا ويمتلك نفوذا واسعا في بلدات أساسية وثانوية حيث أعلن خلال ليل أمس عن فوزه في العديد من البلديات، كما سعت القوات اللبنانية الى تعزيزحضورها والى ترجمة واقعها الجديد بعد التغييرات الجذرية التي شهدها لبنان الى ترجمة ذلك في الانتخابات البلدية حيث حصدت الكثير من البلديات وتقاسمت بعضها مع العائلات، وكذلك حزب الكتائب الذي وسّع من نفوذه البلدي الى مناطق عدة، والحزب التقدمي الاشتراكي الذي حرص على حماية زعامته ودوره التاريخي في مناطقه، فضلا عن تأكيد الثنائي الشيعي أنه ما يزال المتحكم الأول في بيئته المتمسكة بدعمه وإحتضانه، كما حاولت بعض قوى التغيير ترجمة حضورها السياسي في السلطات المحلية، لكنها واجهت معارك شرسة ضد التيارات السياسية والعائلات التقليدية.

لا شك في أن الانتخابات البلدية في جبل لبنان أعطت العديد من المؤشرات السياسية التي يمكن البناء عليها لرسم خارطة الاصطفافات والأحجام في المرحلة المقبلة وإنعكاسها على الانتخابات النيابية التي يعتبر هذا الاستحقاق بروفة مصغرة له.


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal