عندما اندلعت ثورة 17 تشرين الأول عام 2019، سارع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، بعد يومين فقط، إلى إعلان استقالة وزرائه الأربعة من حكومة الرئيس سعد الحريري، وهم: نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني، ووزير العمل كميل أبو سليمان، ووزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان، ووزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية مي شدياق.
سحب جعجع وزراءه من حكومة الحريري بعدما شعر بأن الغطاء الدولي والإقليمي قد رُفع عنها، فسارع إلى ركوب موجة الثورة، منقلباً بذلك على السلطة التي كان شريكاً فيها منذ عام 2005. وبدأ، بمشاركة نوابه ووزرائه المستقيلين، حملة مزايدات على الثوار، عبر تصعيد الهجوم على السلطة وانتقاد أدائها والدعوة إلى إسقاطها.
وبعد سبع سنوات من اندلاع الثورة، يعيد التاريخ نفسه بالنسبة إلى القوات اللبنانية، التي يبدو أنها تمهّد للانقلاب على حكومة الرئيس نواف سلام، تارةً من بوابة الاحتجاج على عدم تمويل خطة الكهرباء التي طرحها وزير الطاقة جو الصدي، والذي أعلن اعتكافه، وتارةً أخرى من بوابة ملف شحنة المتفجرات، على خلفية عدم إحالة القضية إلى المجلس العدلي، بعدما سلكت مسارها أمام القضاء العسكري الذي أصدر قراره الظني فيها.
وفي هذا الإطار، أعلن رئيس كتلة الجمهورية القوية النائب جورج عدوان أن وزراء القوات لن يعودوا إلى طاولة مجلس الوزراء ما لم تلبِّ الحكومة مطلب الحزب في هذا الخصوص.
وفي قراءة لموقف القوات، يبدو أن قرار مقاطعة جلسات الحكومة ينطلق من ثلاثة سيناريوهات محتملة:
أولاً: تقديم أوراق اعتماد إلى الولايات المتحدة الأميركية، من خلال تبنّي وجهة نظرها بشأن إحالة قضية المتفجرات إلى المجلس العدلي، بما يرفع منسوب التوتر ويدفع بلبنان نحو مواجهة داخلية حتمية، يريدها الأميركي والإسرائيلي على حد سواء.
ثانياً: اقتناع القوات بأن الحكومة فشلت في معالجة الملفات السياسية والأمنية والاجتماعية، وأنها تسير نحو السقوط تحت ضغط الشارع، في ظل عجزها عن تحقيق أي إنجاز يُذكر.
ومن هذا المنطلق، قررت القوات الانقلاب عليها ونفض يدها من أي مسؤولية قد تترتب عليها مستقبلاً، تماماً كما فعلت مع حكومة الرئيس سعد الحريري.
ثالثاً: إحساس القوات اللبنانية بأن الغطاء الدولي والإقليمي بدأ ينسحب من الحكومة، بفعل الانشغالات السياسية والانتخابية والعسكرية في الولايات المتحدة والمنطقة، ما دفعها إلى اعتبار أن الفرصة باتت سانحة لتصفية الحسابات مع العهد ككل. وفي هذا الإطار، ليس صحيحا ما تروّجه القوات عن أنها كانت داعمة لانتخاب الرئيس جوزيف عون، إذ إنها، على العكس، كانت تعارض انتخابه، قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى السير في ركاب القوى الداعمة له.
أما تسمية نواف سلام فكانت ناتجة عن سلسلة من الضغوط رضخ لها الجميع.
واليوم، تسعى القوات إلى ممارسة نفوذها على الحكومة وإخضاع الرئيس سلام لتوجهاتها، لكنها، بعدما أخفقت في تحقيق ذلك، لجأت إلى المقاطعة ومحاولات الضغط، في محاولة لفرض شروطها على السلطة التنفيذية.
ولا شك في أن القوات اللبنانية ترى أن الظروف السياسية تصبّ في مصلحتها حتى الآن، ولذلك لا تتوانى عن مواصلة محاولاتها للهيمنة على السلطة في لبنان، وتحويل جعجع إلى مرشد للجمهورية، بالتوازي مع السعي إلى فرض توجهاتها على الجيش اللبناني ودفعه إلى مواجهة المقاومة في الداخل، بغض النظر عن التداعيات الكارثية التي قد تترتب على ذلك.
من هنا، فإن الهجوم الواسع الذي تقوده القوات على المؤسسة العسكرية وقائدها العماد رودولف هيكل، من جعجع إلى عدوان ومن لفّ لفّهما من وزراء ونواب، ليس سوى تعبير عن غضب قيادة القوات من رفض الجيش الخضوع لأي إملاءات، داخلية كانت أم خارجية، وتمسّكه بثوابته الوطنية، بدءاً من العداء لإسرائيل، وصولاً إلى التمسك بالاستقرار والسلم الأهلي.




