عندما شرعت السّلطة اللبنانية في مفاوضاتها المباشرة مع العدو الإسرائيلي منتصف شهر نيسان الماضي، وعقدت معه 7 جولات إنتهت بالفشل، طالب كثيرون في الداخل والخارج أن لا تذهب السّلطة بعيداً في جولات التفاوض المباشر، وتحفظ لنفسها خط الرجعة، وصولاً إلى حدّ دعوتها للتوقف عن هذه الجولات التفاوضية، بعدما اتضح أنّ التفاوض مع العدو لن يصل إلى أيّ نتيجة تصبّ في مصلحة لبنان، وأنّه مضيعة للوقت وسيكون على حساب لبنان.
إنتقاد أطراف عدّة للسّلطة للتفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي كان يسير بشكل متدرّج ويكبر مثل كرة الثلج، منذ توقيع إتفاق الإطار آخر شهر حزيران الماضي، وتوقّف المفاوضات عند جولة التفاوض السّابعة في 6 آب الفائت، قبل أن يصرّ الرّاعي الأميركي على إحيائها بشكل مجتزأ إقتصر على وفدين عسكريين، في 20 تشرين الأول الجاري في ولاية فلوريدا الأميركية، لكنّ النتيجة لم تكن سوى فشلاً إضافياً.
لم تصغ السّلطة إلى أيّ نصيحة داخلية أو خارجية لإعادة النّظر في جولات التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، ولا إلى مراجعة نفسها والإعتراف أن ابتعادها عن مسار التفاوض الذي سلكته الولايات المتحدة وإيران في إسلام أباد، بمشاركة السّعودية وباكستان وتركيا، كان قراراً خاطئاً يفترض أن تعود عنه وتصحّحه، ما أمكن، بعدما استفرد بها العدو الإسرائيلي والراعي الأميركي، بحيث باتت القاعدة بجولات التفاوض، هي: تقديم لبنان مزيد من التنازلات للعدو، من غير أن يُقدّم الأخير أيّ تنازل، بل يستمر في اتباع سياسة الأرض المحروقة في المناطق اللبناني التي يحتلّها، ويرفض مجرد النقاش في الإنسحاب منها.
آخر أبرز المنتقدين لمسار التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي كان الرئيس السّابق للحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، الذي عبّر عن شكوكه في قدرة المسار الذي ترعاه واشنطن على تحقيق أيّ اختراق، معتبراً أنّ لبنان “أخطأ حين لم يختر مسار إسلام آباد، واختار بدلاً منه مسار (وزير الخارجية الأميركية) ماركو روبيو، الذي لن يقود إلى أيّ مكان”، ومنتقداً “إعتقاد بعض المسؤولين اللبنانيين بأنّ الولايات المتحدة قادرة على الضغط على إسرائيل للإنسحاب”، قائلاً: “هذا وهمٌ كامل”.
ما قاله جنبلاط ليس استثناء ولا موقف وحيد له خارج السرب من جولات التفاوض، إذ تتزايد لدى أطراف لبنانية القناعة بأنّ المسار الذي دخلته السّلطة عبر المفاوضات المباشرة واتفاق الإطار لم يحقّق حتى الآن أيّ نتائج ملموسة، ولا سيما لجهة إلزام إسرائيل بتنفيذ التفاهمات والإنسحاب من الأراضي التي تحتلها، بحيث بات السؤال الملحّ: ما جدوى مسار التفاوض المباشر برمّته إذا كان لا يؤمّن للبنان ضمانات حقيقية، ويتسبب بانقسام سياسي وطائفي ومذهبي داخلي عمودي وعميق قد يؤدي إلى انفجار الوضع الداخلي، ويضع لبنان أمام مزيد من الضغوط والتنازلات من دون الحصول على أيّ مقابل؟.




