بين من يرى في تحركات الإقليم الأخيرة “تسليمًا تامًا” لخصوم الأمس، ومن يقرأها كـ”بروتوكولات دبلوماسية عابرة”، يقف المشهد السياسي في الشرق الأوسط ليطرح أسئلة مصيرية. وأبرز تجليات هذا المخاض ما شهدته العاصمة الإيرانية؛ حيث التأم اجتماع رباعي جمع طهران بوفود رفيعة المستوى تمثل دول “حلف مكة”: السعودية، تركيا، وباكستان.
حضور شخصيات بحجم وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طاولة واحدة في طهران، مقابل القيادة الإيرانية المتمثلة بالرئيس مسعود بزشكيان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي — هذا الحضور لا يُقرأ خارج سياق “إدارة الحافة” وسباق الرمق الأخير لمنع انفجار إقليمي شامل.
عليه، فإن أي تحليل منصف يبدأ من حقيقة ساطعة تتمثل في هشاشة البنية التحتية الحيوية لدول الخليج أمام أي حرب شاملة.
حين تقف المنطقة على حافة صدام واسع، تدرك الرياض أن ثمن أي مواجهة أمريكية-إسرائيلية مفتوحة مع إيران سيُدفع في شرايين الاقتصاد الخليجي: محطات تحلية المياه، معامل الطاقة، منافذ التصدير الحيوية. (محطة تحلية واحدة خارج الخدمة تعني أسبوعًا بلا مياه لمدينة كاملة). هذا المثال من جوهر المسألة.
لقد أثبت درس “بقيق وخريص” عام 2019 — حين أدت ضربات استهدفت المجمعين النفطيين الرئيسيين لشركة “أرامكو” إلى شلّ زهاء نصف الإنتاج النفطي السعودي في لحظات، دون استجابة عسكرية أمريكية حازمة — أن الرهان على المظلات الأمنية الخارجية يمتلك حدودًا صارمة عندما يتعلق الأمر بالبقاء الوجودي المباشر. ليكون التحرك نحو طهران خارج ترف الدبلوماسية، استجابة لـ”معضلة الأمن القومي” التي تتطلب تكتيكات حاسمة تجنب الدول محرقة ليست طرفًا في اشتعال فتيلها الأول، لكنها تحتل صفوف المتضررين الأوائل.
من جهة اخرى؛ يتجلى ثقل هذا الاجتماع وأهميته الاستراتيجية أنه يمثل حضور دول “حلف مكة” بوزنها المكتمل إلى إيران، مما يجعل المحادثات ترتقي إلى صياغة معادلة أمنية إقليمية جديدة كلياً.
هذا التحالف يجمع أركان القوة الإقليمية الثلاثة: الثقل المالي والنفطي والتموضع الجيو إستراتيجي للمملكة، القوة التقليدية التركية والصناعة العسكرية الذاتية والنفوذ الاستخباري. إضافة إلى الحضور القيادي الباكستاني الفاعل والمعزز بالردع النووي.
جلوس هذه الأطراف مجتمعة أمام القيادة الإيرانية يوجه رسالة حاسمة إلى العواصم الدولية عنوانها: الإقليم أخذ زمام المبادرة لفرض “طوق أمان ذاتي”.
في المقابل، هذا التكتل المحيط بإيران جغرافياً وسياسياً يضع طهران أمام مسؤولية تاريخية للالتزام بتقديم ضمانات أمنية جادة؛ وأي إخلال بالتوافقات لن يمس طرفاً واحداً بل سيهدد علاقاتها مع القوى الإقليمية الكبرى المجاورة بأكملها.
في رؤى اخرى، ذهب البعض بعيداً ليصور الاجتماع الرباعي باعتباره “تنازلاً استراتيجياً” أو انقلاباً نهائياً على التحالفات الغربية الكلاسيكية لصالح منظومة إقليمية بديلة تقودها طهران.
هذا الطرح يسقط في فخ الثنائيات القطبية الساذجة. السياسة الخارجية السعودية ودول “حلف مكة” لا تتبنى منطق “الالتحاق” أو “التبعية المطلقة” بل تتحرك وفق واقعية صارمة و”تحوط استراتيجي” في جوهر بنيته:
1. التحييد الذكي: إيصال رسالة واضحة بأن الأجواء والأراضي الخليجية لن تكون منطلقة لأي عدوان أو منصة لاستهداف الجارة الإيرانية.
2. ترسيم الخطوط الحمراء: إشعار طهران بأن أمن البنى التحتية الخليجية خط أحمر، وأن أي رد عشوائي سيدفع بالمنطقة إلى نقطة لا رجعة فيها.
3. الاستقلال الاستراتيجي: بناء شبكات تواصل أمني ودفاعي إقليميّة تقي المنطقة تبعات التغيرات الحادة في سياسات القوى الدولية العظمى.
هذه النقاط الثلاث قد تبدو متوازنة جدًا على الورق. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن بناء ثقة أمنية حقيقية بين أطراف تحمل ذاكرة عقود من التنافس أو الخصام ؟ هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
في البيان الختامي لاجتماع طهران (التأكيد على مواصلة المحادثات في مجالي السلام والأمن الإقليميين يعكسان رغبة حقيقية في إيجاد إطار حوار مستدام بعيداً عن التدخلات والأجندات الأجنبية). لكن القفز نحو إعلان “نهاية المظلة الأمريكية” أو ولادة “تحالف أمني إقليمي متكامل بديل” استعجال لقراءة التاريخ الجيوسياسي. فالثقة البنيوية وتوازن القوى الإقليمي لا يُبنيان بين عشية وضحاها، سيما في ظل تراكم عقود من العداء المكنون.
ما تجسده زيارة الأمير خالد بن سلمان والوفود المرافقة لاجتماع طهران هو صنف “إدارة أزمات متقدمة” وترسيخ لثقافة الدبلوماسية العسكرية المباشرة؛ حيث الجلوس حول طاولة مستديرة لرسم قواعد الاشتباك ومنع الانزلاق نحو الهاوية، افضل من ترك المصير معلقاً على فوهة المصالح والقرارات الطائشة في عواصم بعيدة.
في الخلاصة؛ ما جرى في طهران ليس استسلاماً ولا خروجاً دراماتيكياً من مجريات التاريخ، بل صحوة واقعية وإمساك بزمام المبادرة.. محاولة جريئة من قوى الإقليم الكبرى لإدارة أمنها بأيديها، إدراكاً منها أن كلفة الحرب باهظة، وأن حماية الشعوب وتنمية الاقتصادات تستحق كسر الجليد وإنهاء حال الخصومة لصالح الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي المشترك.. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل يكفي هذا الحد الأدنى؟
الكاتب: العميد منذر الأيوبي
عميد متقاعد، باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية..




