خاص – سفير الشمال
تدخل موازنة العام 2027 مرحلة الحسم في مجلس الوزراء، بعدما عقدت الحكومة جلستين مخصصتين لدراسة مشروع الموازنة، على أن تستكمل مناقشته يوم الجمعة، في وقت تسعى فيه السلطة التنفيذية إلى إقرار موازنة تستهدف عجزاً صفرياً للعام الثالث على التوالي، وسط تحديات اقتصادية ومالية لا تزال تثقل كاهل الدولة واللبنانيين.
وكان وزير المال ياسين جابر قد أحال مشروع الموازنة إلى مجلس الوزراء ضمن المهلة الدستورية، مقدّماً مشروعاً يقدّر حجم الإنفاق فيه بنحو 6.8 إلى 6.9 مليارات دولار، مقابل نحو 6.1 مليارات في موازنة 2026، أي بزيادة تقارب 13 في المئة، على أساس نمو اقتصادي متوقع بنحو 3 في المئة وتمويل النفقات من الإيرادات العادية، من دون اللجوء إلى الاقتراض أو مصادر تمويل استثنائية.
غير أن الوصول إلى عجز صفري يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على تحقيق الإيرادات المقدّرة، خصوصاً أن موازنة 2026 أُقرت بدورها على أساس التوازن قبل تجدد الحرب في آذار، وقبل أن تؤدي التطورات الأمنية إلى نزوح واسع وتراجع في النشاط الاقتصادي والإيرادات، بالتزامن مع ارتفاع النفقات الطارئة. ووفق تقديرات معهد المالية، قد يدفع ذلك عجز العام 2026 إلى ما بين 1 و2 في المئة من الناتج المحلي.
وتراهن الحكومة في مشروع 2027 على زيادة الإيرادات بنحو 990 مليون دولار لتصل إلى حوالى 7.3 مليارات دولار، وتشكل الضرائب نحو 86 في المئة منها، فيما تستحوذ الضرائب غير المباشرة على نحو ثلاثة أرباع الإيرادات الضريبية. ويأتي ذلك بالتوازي مع توسيع قاعدة الرسوم الجمركية وفرض رسم بيئي يتراوح بين 1 و3 في المئة على مجموعة واسعة من السلع، بينها مواد البناء والأجهزة الكهربائية والسيارات وقطع الغيار والمعدات الطبية والبلاستيك والزجاج والورق والكرتون والمواد الكيميائية والملابس والأحذية والآلات والمعدات الصناعية.
وتبرز حساسية هذه الرسوم بشكل خاص في ظل الحاجة إلى إعادة الإعمار، إذ تشمل مواد أساسية كالإسمنت والحجر والبحص والسيراميك والزجاج والخشب والدهانات والأنابيب البلاستيكية، ما قد يرفع كلفة إعادة بناء المنازل والمؤسسات المتضررة.
كما يمكن أن تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار المنتجات النهائية نتيجة ارتفاع كلفة التغليف والتصنيع والإنتاج، فيما قد تؤدي زيادة كلفة الآلات والمعدات إلى التأثير في الاستثمار والقدرة التنافسية للقطاعات الإنتاجية.
وفي المقابل، لا يعتمد المشروع على زيادة الضرائب وحدها، بل يتضمن إجراءات لتشديد الامتثال الضريبي والحد من التهرب، من خلال توسيع التصريح الإلكتروني، وربط وزارة المالية بالضمان الاجتماعي، وإلزام أصحاب العمل بتسجيل العاملين، وتعزيز التدقيق في التصاريح، وربط بعض المعاملات الإدارية بتسديد الضرائب، إضافة إلى إطلاق “يانصيب الفواتير”. كما يوسّع المشروع الإطار الضريبي ليشمل الخدمات الرقمية القادمة من الخارج، مع تنظيم ضريبة القيمة المضافة وإلزام بعض مزودي الخدمات الرقمية غير المقيمين بتعيين ممثل ضريبي في لبنان.
أما النفقات، فتبقى ذات طابع استهلاكي إلى حد كبير، إذ تمثل النفقات الجارية نحو 89 في المئة من إجمالي الإنفاق، وتذهب نسبة كبيرة منها إلى الرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية والنفقات التشغيلية والمعالجة الصحية والخدمات الإدارية، فيما يبقى الإنفاق الاستثماري محدوداً. وفي الوقت نفسه، لا يقدم المشروع معالجة فعلية للدين العام، ولا يتضمن اعتمادات لتسديد الدين الخارجي أو سندات اليوروبوندز، في انتظار التوصل إلى اتفاق شامل لإعادة هيكلة الدين الذي يتجاوز عشرات مليارات الدولارات.
ولا يخلو المشروع من جدل قانوني، بعدما أدرج تعديلات تتعلق بشركات الهولدينغ والأوفشور، والاستملاك، وضريبة الأملاك المبنية والضرائب على التركات وتنظيم المرافئ والأمن العام والرسوم الإدارية والاقتصاد الرقمي وبعض أحكام قانون الشركات، وهي تعديلات يرى خبراء أن بعضها يتجاوز الطبيعة السنوية لقانون الموازنة ويدخل في إطار ما يعرف بـ”فرسان الموازنة”.
وبينما تستكمل الحكومة دراسة المشروع يوم الجمعة، يبقى التحدي الأساسي أمامها في إيجاد توازن بين هدف ضبط المالية العامة وعدم تحميل الاقتصاد والمواطن أعباء إضافية، خصوصاً في ظل مرحلة تتطلب إنفاقاً كبيراً على إعادة الإعمار وتحفيز الاستثمار. فنجاح موازنة 2027 لن يُقاس فقط بقدرتها على تسجيل عجز صفري، بل بمدى قدرتها على تحويل زيادة الإيرادات وتحسين التحصيل إلى استقرار مالي ونمو اقتصادي فعلي، من دون أن يتحول التوازن الحسابي إلى كلفة إضافية يدفعها اللبنانيون.




