هل تهيأت الظروف للقاء حزب الله بالولايات المتحدة؟.. مريم نسر

كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن إمكانية قبول حزب الله بالتواصل مع الولايات المتحدة بناءً على طلبها المتكرر، بدءاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصولاً لسفيره في لبنان ميشال عيسى الى أن وصل الحديث عن وساطة تركية لإنجاز هذه المهمة وكأنها باتت على بُعد خطوة من تحقيقها..

 

قبل الحديث عن الطلب الأميركي المتكرر للقاء الحزب في هذه المرحلة، لا بدّ من استعراض مراحل سابقة كانت واشنطن تريد التواصل معه.

 

في المراحل السابقة، أي ما قبل العام 2000 كانت الإستراتيجية الأميركية تطرح إغراءات عبر الوسائط، تارة عبر حلفائها في لبنان وتارة أخرى عبر شخصيات رسمية من دول أوروبية أو آسيوية وأحياناً عبر شخصيات عربية، وكان السيد الشهيد حسن نصرالله تحدث عن بعض هذه المبادرات سابقًا، كحديثه عن الموفد الياباني الذي قدّم طرحاً أميركياً يقوم على الإعتراف بحزب الله كقوّة سياسية أساسية في لبنان، وإعطائه امتيازات في السلطة والمواقع الرسمية وقدرات مالية تتجاوز الـ ١٠ مليار دولار مقابل التخلّي عن الصواريخ الثقيلة التي تصل الى داخل فلسطين المحتلة والإحتفاظ بالأسلحة والذخائر التقليدية التي تُخاض بها الحروب الأهلية، كذلك وفي نفس السياق قدّم الرئيس الفرنسي جاك شيراك طرحاً شبيهاً تُضاف إليه مشاريع تنموية لأهل الجنوب تُغني المجتمع الشيعي عن الخدمات التي يقدّمها حزب الله على المستوى الصحي والإجتماعي والتربوي، وهذا الطرح جاء منه لكن بخلفية أميركية.

 

وقد تكررت هذه المحاولات غير المعلنة بعد عام 2000 وكان القاسم المشترك بينها هو الحفاظ على أمن إسرائيل، الأمر الذي رسّخ قناعة حزب الله أن أية مبادرة أميركية أو غربية للتفاوض معه تنطلق من الدوافع نفسها للحفاظ على التفوّق الإسرائيلي وسلب لبنان أدوات المناعة، كمقدمة لفرض شروط سياسية والسيطرة على القرار السياسي والأمني في لبنان، وهذا ما تأكّد من خلال السلوك الأميركي في الحروب الأخيرة الى جانب إسرائيل.

 

ما بعد طوفان الأقصى، انتقلت الإستراتيجية الأميركية من عمليات الترغيب والإغراء الى عمليات الضغط والترهيب بالإستفادة من التفوق التقني والعسكري وبدافع إنهاء بؤر الصراع في الشرق الأوسط قبل التفرّغ لمواجهة التنين الصيني، وبذلك استجابت أميركا بشكل كامل للطموح الإسرائيلي بالسيطرة على غزة والضفة الغربية والجولان وجنوب سوريا ومحاولة السيطرة على جنوب لبنان وضرب البنية الدفاعية والقدرات الصناعية في إيران.

 

وبناءً على هذه الإستراتيجية تحوّل التفاوض الذي تطلبه أميركا من محورية الإغراء الى محورية إستثمار نتائج الحرب، وهذا ما تجلّى في إطلاق يد الإسرائيلي في لبنان وزيادة الضغط والحصار الإقتصادي على إيران، وأمام هذا التحوّل، انتقل حزب الله من مرحلة مواجهة الإغراءات الى مرحلة الصمود ومواجهة التهديد.

 

أما اليوم، تقول المصادر إنه لا يوجد حتى الآن أي تواصل مباشر بين حزب الله والولايات المتحدة، فالظروف للتواصل ليست مهيئة بعد بالنسبة للحزب، لذا كل الرسائل التي أرسلتها واشنطن لم تلقَ رداً وحتى الآن لم يتغيّر موقف المقاومة، فكيف يُمكن التحدّث مع دولة لا زالت تُصنّف المقاومة بأنها إرهابية، وبأنها فصيل إيراني وليس لبنانياً وأكثر من ذلك تُغطي العدوان الإسرائيلي على لبنان.

 

إشاعة هذا الكلام وتصدّره المشهد الإعلامي يعود الى تحقيق هدفين:

الأول: فصل مسار لبنان عن مسار إيران..

والثاني: رمي المسؤولية على حزب الله بأنه لم يقبل بتقديم شيء وبشكل أدق التنازل عن شيء..

 

بهذا الشأن كان الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم واضحاً وصريحاً وحاسماً عندما تحدّث عن الذين يتصلون بالحزب في هذه الأيام ويطلبون إعطاء شيء للأميركيين والإسرائيليين لجرِّهم الى حل، فالحل هو بالعودة الى اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 .. وهذا أكثر ما يمكن أن تعطيه المقاومة.

 

هنا يمكن القول إن الإرباك الذي تُواجهه الإستراتيجية الأميركية الحالية هو أن الوكيل المكلَّف باستثمار الضغوط العسكرية في الداخل اللبناني، أظهر عجزه وضعف مصداقيته من خلال التنازلات المجانية التي قدّمها للعدو الإسرائيلي، الأمر الذي دفع الموفد الرئاسي الأميركي الى سوريا توم باراك الى الإعلان عن الحاجة الى التفاوض المباشر مع حزب الله، وهنا يمكن تسجيل نقطة إيجابية ساهمت في فشل السلطة في تنفيذ الخطة الأميركية وهي رفض قيادة الجيش اللبناني أن تتحوّل الى آداة تنفيذية للبلطجة الأميركية والإحتلال الإسرائيلي.

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal