يستمر العدو الإسرائيلي في عدوانه وهمجيته، غير آبهٍ بكل الدعوات إلى تثبيت وقف إطلاق النار أو بما يفترض أن يكون التزاماً بمندرجات اتفاق الإطار.
وقد حصد تصعيده أمس شهيدة، هي عروس لم يمض على زواجها سوى أيام، وعدداً من الجرحى في عربصاليم والنبطية الفوقا، وهما بلدتان تقعان خارج نطاق المناطق المحتلة، بعدما سبقت ذلك، قبل نحو أسبوعين، مجزرة ارتكبها الاحتلال في بلدة أنصار، فضلاً عن استهداف دير الزهراني، بحجة الرد على ما يعتبره العدو خروقات لوقف إطلاق النار من جانب المقاومة.
لكن هذا التصعيد لا يبدو، في قراءة مساره وتوقيته وأهدافه، مجرد ردود عسكرية منفصلة، بل يشي بمحاولة إسرائيلية متدرجة لفرض وقائع جديدة على الأرض، الهدف منها الوصول إلى مرتفعات علي الطاهر.
فما يجري قد يكون تمهيداً للدخول إلى هذه المرتفعات، وفق سياسة القضم التدريجي التي يُراد من خلالها تفادي الانزلاق إلى حرب مفتوحة جديدة. وبمعنى آخر، فإن إسرائيل تحاول تحقيق أهدافها على مراحل: تقدم ميداني محدود، ثم اختبار رد فعل المقاومة، ثم تثبيت النقاط التي يصل إليها جنودها، وتحويلها مع الوقت إلى أمر واقع يجري التعامل معه لاحقاً وكأنه جزء من ترتيبات ما بعد الحرب.
وفي كل مرة تتصدى فيها المقاومة لأي تحرك إسرائيلي باتجاه علي الطاهر، يلجأ الاحتلال إلى الرد على المدنيين والبيئة الحاضنة للمقاومة، عبر القصف وارتكاب المجازر، في محاولة لخلق معادلة جديدة عنوانها: كل مقاومة للتوسع الإسرائيلي ستدفع ثمنها البيئة المدنية.
ويأتي في هذا السياق تصريح السفير الأميركي ميشال عيسى حول عدم الضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار طالما أن حزب الله لم يتجاوب مع المطالب، ليوحي أن واشنطن لا تنظر إلى التصعيد الإسرائيلي باعتباره المشكلة الأساسية التي ينبغي احتواؤها، بل تربطه حصراً بموقف المقاومة.
وهو ما يمكن أن يُقرأ إسرائيلياً باعتباره ضوءاً أخضر للاستمرار في سياسة الضغط العسكري، بما في ذلك الضغط على بيئة المقاومة، وصولاً إلى فرض الشروط الإسرائيلية على طاولة المفاوضات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل أسقطت الولايات المتحدة عملياً اتفاق الإطار؟
وهل تريد الولايات المتحدة، عبر مفاوضات غير متكافئة، أن يصل لبنان إلى مرحلة يخضع فيها بالكامل للإملاءات الإسرائيلية، فيُطلب منه أن يصدق أن خدعة “المناطق التجريبية” إلى جانب التوسع في الاحتلال يمكن أن يشكلا خطوة على طريق الانسحاب، وأن تسليم سلاح المقاومة هو الضمانة الوحيدة لامتناع إسرائيل عن مواصلة عدوانها على لبنان؟
هذه المعادلة، إذا كانت هي المطروحة فعلاً، لا تعني تطبيق اتفاق الإطار، بل إلغائه أو إعادة تفسيره بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية.
وفي المقابل، فإن ما يثير القلق الإسرائيلي ربما ليس فقط ما تقوم به المقاومة، بل ما لا تقوم به أيضاً.
فالمقاومة تلتزم حتى الآن صمتاً استراتيجياً لافتاً، فلا تتبنى أي هجوم، ولا تنفيه، ولا تصدر بيانات ميدانية تفصيلية تكشف أوراقها، تاركة مساحة واسعة من الغموض أمام العدو.
لكن هذا الصمت لا يعني بالضرورة غياب الفعل، فالأرض نفسها تتكلم عندما يحاول الإسرائيلي التقدم باتجاه المرتفعات.
وقد اختبرت إسرائيل ذلك قبل نحو أسبوعين، عندما حاولت التقدم باتجاه علي الطاهر، فواجهت مقاومة ميدانية أوقفت تقدمها وأوقعت في صفوف قواتها خسائر جسيمة، قبل أن يأتي الرد الإسرائيلي على ذلك عبر مجزرة أنصار واستهداف مناطق مدنية أخرى.
وهنا تكمن المفارقة: إسرائيل تريد أن تجعل من علي الطاهر منطقة خالية من المقاومة، بينما يبدو أن المقاومة تريد أن تجعل من المرتفعات خطاً أحمر لا يسمح بتحويله إلى منصة للتوسع الإسرائيلي.
وبين هذين الهدفين، تتعقد مهمة المفاوضات أكثر فأكثر.
ففي ظل استمرار العدوان وسقوط الشهداء والجرحى، لا تظهر حتى الآن أي مؤشرات إلى تحديد موعد الجلسة الثامنة للمفاوضات في روما، وكأن المسار السياسي دخل في حالة جمود متعمد، فيما تتقدم الوقائع العسكرية على الأرض.
واللافت أن هذا الجمود يأتي في وقت تبدو فيه إسرائيل وكأنها تعد العدة لمرحلة تصعيد جديدة، ربما على قاعدة أن ما حصلت عليه في اتفاق الإطار قد منحها عملياً معظم ما كانت تريده، وأن المطلوب الآن هو استكمال ما لم تستطع تحقيقه على طاولة المفاوضات بالضغط الميداني بهدف استثماره لاحقاً في الانتخابات الاسرائيلية.
فهل أصبحت المفاوضات بالنسبة إلى إسرائيل مجرد غطاء سياسي لما يجري على الأرض؟ وهل تحاول فرض نتائج الجولة المقبلة قبل انعقادها؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن الخطر لا يكمن فقط في استمرار العدوان، بل في أن تتحول المفاوضات نفسها إلى عملية لإضفاء الشرعية على وقائع فرضتها إسرائيل بالقوة.





