سوريا الجديدة بين أنقرة وتل أبيب: أين يقع لبنان في معادلة النفوذ؟.. بقلم: العميد منذر الأيوبي

لطالما أكدت الأحداث أن أهميتها لا تكمن في حجمها العسكري أو العملياتي فحسب، بل في مجمل آثارها على مسار الصراع وقدرتها على فرض واقع جيوسياسي جديد. من هذا المنظور، يصعب التعاطي مع عملية (سهم باشان) التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب في 18 آب الجاري كحدث تكتيكي عابر أو معزول عن سياقه.

فالقاعدة، رغم أنها جزء من البنية الجوية الحربية القديمة وخارج الخدمة منذ سنوات، استعادت مكانتها المحورية عقب التحرك التركي لترميمها وتشغيلها، بالتزامن مع تنامي العلاقات العسكرية والأمنية بين أنقرة ودمشق. هنا تحديداً تتجاوز (أبو الظهور) جغرافيتها ووظيفتها المباشرة لتغدو إحدى أدوات التأثير الاستراتيجي.

 

عليه، لم تعد المسألة تقتصر على خلفيات قصف إسرائيل لموقع عسكري في الشمال السوري يبعد أقل من 70 كم عن الحدود التركية، بل تطرح سؤالاً أعمق: هل بات القرار التركي هو الموجه لملء الفراغ الأمني والسياسي في سوريا بعد تراجع النفوذ الإيراني؟ وهل تسعى تل أبيب بالمقابل إلى منع تشكُّل أي بيئة عسكرية جديدة تهدد أمنها؟

 

من هذا المنطلق، تتعدى الرسالة الإسرائيلية حدود المنشأة ذاتها، إذ يبدو جلياً أنها ضربة وقائية تُرجمت ميدانياً بإعاقة إعادة تشغيلها. وما يمنح التوقيت أهمية مضاعفة، وقوع الهجوم بعد ساعات قليلة من مغادرة وفد عسكري تركي كُلّف بوضع المخطط التنفيذي للموقع، بحسب مصادر إعلامية.

 

ضمن هذا السياق؛ ترى إسرائيل، بعد تنفيذها أكثر من ثلاثمائة وخمسين غارة جوية على المنشآت والقواعد الجوية إثر سقوط نظام الأسد، أن بناء القدرات العسكرية لن يكون شأناً سورياً داخلياً خالصاً، وهي تحذيرات موجهة لأي طرف يسعى للتفرد بذلك. ورغم أن هذا السلوك ليس جديداً على تل أبيب، إلا أن المثير للاهتمام هو دخول أنقرة دائرة هذه الحسابات المباشرة، وهو تطور لا ينبغي الاستهانة به.

 

كما أن خروج إيران ودخول تركيا من بوابة الرئيس أحمد الشرع وفريقه لا يلغي التهديد الكياني للدولة العبرية، بل يغير طبيعته وهويته. وإذا كانت إسرائيل تنظر إلى سوريا سابقاً كممر للسلاح ومجال لتموضع نفوذ طهران وامتداداته نحو حزب الله في لبنان، فإنها لن تقبل بسوريا قوية ومستقرة تحت المظلة التركية، بما يجعلها عاملاً فاعلاً في ميزان القوى الإقليمي على المدى البعيد.

 

أنقرة، إذن، تنظر إلى الأمر من بوابات ملء الفراغ، وتثبيت حزام أمني مستقر على حدودها الجنوبية، والحفاظ على دور محوري في بناء الدولة السورية. أما إسرائيل فتريد هذا المجال تجريداً كاملاً من أي بنية قد تتطور إلى تهديد مستقبلي. ومن هذا التباين الحاد ينشأ خلاف يصل حد التناقض، ويفسر جانباً كبيراً من التصعيد الحالي.

 

مع ذلك، ينبغي عدم الاندفاع نحو استنتاج مفاده أن حادثة (أبو الظهور) تدفع الطرفين نحو مواجهة عسكرية مباشرة، إذ لا مؤشرات تدعم هذا الخيار. فتركيا ثقل استراتيجي ضمن حلف شمال الأطلسي وتدرك جيداً كلفة الصدام المباشر مع إسرائيل، والأخيرة بدورها غير معنية بفتح جبهة جديدة مع قوة إقليمية بحجم أنقرة. غير أن غياب رغبة الحرب لا ينفي وجود صراع صامت وتنافس حاد، ما يتطلب التمييز الدقيق بين الحرب المفتوحة والصراع على تخوم النفوذ.

 

بناءً عليه، قد تشهد المرحلة المقبلة قواعد ضابطة جديدة تتجسد في تبادل الرسائل العسكرية والضربات الوقائية المحدودة تحت مظلة تفاوض غير مباشر، تتزامن عند الاقتضاء مع تدخل أميركي لضبط الإيقاع ومنع سوء التقدير. وهنا تكمن الخشية الحقيقية في عملية القصف، والمتمثلة في غياب التنسيق مع تركيا أو تجاهله، في إطار جس نبض إسرائيلي للسقف المسموح به في الأجواء السورية.

 

من جهة أخرى؛ إذا صحت الرواية الأميركية بعدم علم أنقرة باتجاه الطائرات الإسرائيلية نحو أبو الظهور، فإن الخطر الأكبر كان يكمن في احتمال التفسير الخاطئ للحركة الجوية. ففي بيئات العمليات، لا يتطلب التصعيد قراراً سياسياً بالحرب بقدر ما ينجم عن خطأ ميداني. وعليه، فإن مسعى واشنطن لإنشاء آلية منع اشتباك بين تركيا وإسرائيل وسوريا ليس إجراءً تقنياً عابراً، بل هو إقرار أميركي بتشابك المصالح والفاعلين في الميدان السوري إلى حدّ يتجاوز الرهان على حسن النية أو التقدير الذاتي.

 

استناداً لما تقدم، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة معقدة بين حليفين استراتيجيين، وهي لن تسمح بتحويل سوريا إلى ساحة كباش بينهما. لذا، لن يقتصر الدور الأميركي على إدارة العلاقة مع دمشق، بل سيمتد ليشمل احتواء التنافس التركي ـ الإسرائيلي. وهذا يعكس تحول واشنطن المرتقب من موقع الداعم لأحد الأطراف إلى دور الحكم الذي يرسخ قواعد الضبط والسيطرة.

 

في هذا الإطار، يبرز السؤال حول سوريا الجديدة: هل ستكون ساحة مواجهة أم مضمار تنافس؟ فالمسألة لم تعد تتصل بإسقاط نظام أو حمابته، بل بملكية حق التأثير في رسم شكل الدولة المقبلة. وهنا تتقاطع مصالح متعددة: فتركيا تريد سوريا مستقرة وقابلة للحياة بنفوذ واضح لها، وإسرائيل تبتغيها مستقرة بشرط تجريدها من القدرات العسكرية الوازنة، وواشنطن تسعى لمنع الفوضى وضبط الصراع، والدول العربية تتطلع لاستعادة موقعها، بينما تجاهد إيران لعدم خسارة كامل ثقلها السابق. وبذلك تتحول الساحة السورية إلى إحدى أهم ركائز إعادة توزيع القوة في المنطقة.

 

ماذا يعني ذلك للبنان؟ ليس من الصواب القول إن التنافس التركي ـ الإسرائيلي انتقل تلقائياً إلى الساحة اللبنانية، لكن المؤكد أن لبنان لن يكون بمأمن عن تداعياته. وفي المقابل، يمكن لبيروت، إذا أحسنت إدارة هذه المرحلة، منع تحول تلك النتائج إلى نفوذ يمس قرارها الوطني.

 

إن الخطأ الجسيم الذي يجب تحاشيه هو التعاطي مع الدور التركي كبديل عن أدوار واشنطن أو الأشقاء العرب والأصدقاء الأوروبيين، بل ينبغي تحويل كافة المساعدات والجهود إلى رافعة مؤسساتية تعزز قدرة الدولة اللبنانية.

 

وهنا يبرز الجيش اللبناني كمركز ثقل هذه المعادلة وركيزتها الأساسية. فإذا كان المجتمع الدولي ينشد جنوباً مستقراً، فإن المسار الأكثر منطقية يمر عبر تمكين المؤسسة العسكرية وتدعيمها، بحيث يتحول التنافس الخارجي إلى عنصر قوة لبنانية. أما إذا تكرر التغاضي عن محاولات أطراف خارجية بناء حيز سياسي أو أيديولوجي أو طائفي مستقل داخل البلاد، فإن أزمة النفوذ ستعيد إنتاج نفسها بقوالب جديدة. ومن هذا المنطلق، يتوجب على الدولة التعاطي مع أنقرة كشريك محتمل لا كراعٍ سياسي.

 

أخيراً، ومن منظور لبناني محض، يتوجب توخي أعلى درجات الدقة: الخطر الحقيقي لا يكمن في الحضور التركي أو الاعتراض الإسرائيلي، بل في أن يتحول لبنان إلى بند تفاوضي على طاولتهما. وكما لا يجوز ترك الأمن الوطني للمصادفات أو رهناً بتفاهمات الآخرين في الجنوب، فإن الاستحقاقات القادمة تحتم على لبنان الانتقال السريع من منطق رد الفعل إلى تبني سياسة أمنية استباقية.

 

الكاتب: العميد منذر الأيوبي 

عميد متقاعد مختص في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب

 

 



 

Post Author: SafirAlChamal