الجيش اللبناني.. الثوابت الوطنية في مواجهة الضغوط الإسرائيلية!.. غسان ريفي

يبدو الجيش اللبناني اليوم أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً، في ظل وضع إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات، وعدو إسرائيلي لا يلتزم بثبات في سلوكه ولا يلتزم بأي ارتباط سياسي أو أمني، من غزة إلى سوريا وصولاً إلى لبنان. 

وفي مقابل هذا المشهد المتقلب، تبدو لدى المؤسسة العسكرية مسلّمات واضحة لا تتبدل، عنوانها الحفاظ على السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ومنع الانزلاق إلى أي صدام داخلي يمكن أن يهدد الاستقرار اللبناني.

 

هذا الواقع يضع الجيش أمام ضغوط متزايدة، خصوصاً في ظل عدم الثبات الإسرائيلي ومحاولاته فرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة، لكن قيادة الجيش تبدو متمسكة بدورها في تنفيذ التوجيهات السياسية والسعي إلى إنجاح القرارات الرسمية، انطلاقاً من قناعة بأن الأمن والاستقرار يشكلان الأساس لبقاء لبنان وقدرته على مواجهة المرحلة.

 

ومن هنا، لا يبدو أن قيادة الجيش تتطلع إلى حلول جزئية، سواء في جنوب الليطاني أو في مرتفعات علي الطاهر. فلا تسليم ولا استلام في المرتفعات، ولا يوجد بحث جدي في هذا الأمر، وما طُرح في هذا السياق لم يتجاوز أفكاراً لا تستند إلى أساس عملي. فالجيش، أصلاً، لم يسبق له أن تسلّم أي مركز أو منطقة وفق هذه الصيغة. وما يريده هو حل شامل يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النار، وصولاً إلى معالجة مسألة السلاح، وهي عناوين باتت، من حيث المبدأ، محل إجماع وطني واسع.

 

ولقيادة الجيش، وفي مقدمها العماد رودولف هيكل، ثوابت لا يمكن تجاوزها. في مقدمتها عدم السماح بأي صدام داخلي من شأنه أن يضرب الاستقرار، وعدم السماح باستخدام السلاح في الداخل. وهذه الثوابت ليست قراراً عسكرياً منفصلاً عن السلطة السياسية، بل تنسجم مع القرار الرسمي، رئاسةً وحكومةً، بعدم الدخول في أي اشتباك داخلي، ولا سيما في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي.

 

فإسرائيل، منذ اليوم الأول للعدوان، تحاول نقل المشكلة من مواجهة مع الاحتلال إلى أزمة لبنانية داخلية، سواء من خلال طبيعة الاستهدافات أو التمييز بين المناطق أو اللعب على حساسيات طائفية ومذهبية يمكن أن تتحول، إذا ما توافرت ظروفها، إلى فتنة داخلية. 

وتزداد القناعة داخل المؤسسة العسكرية بأن إسرائيل تريد الوصول إلى هذا الاشتباك الداخلي، لأنه يسهّل عليها توسيع احتلالها وفرض وقائع جديدة على الأرض تحت عنوان الانقسام اللبناني.

 

وقد أثبتت تجربة انتشار الجيش في جنوب الليطاني أن المؤسسة العسكرية كانت قادرة على القيام بما هو مطلوب منها. لكن عدم التزام إسرائيل أضاع على لبنان فرصاً عدة. فالجيش يؤكد أنه التزم بالكامل بمندرجات اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، باستثناء حادثة إطلاق أربعة صواريخ من مجموعة تابعة لـ”حماس”، حيث سارع الجيش إلى توقيف أفراد المجموعة ومصادرة الأسلحة، ووضع لجنة الميكانيزم في تفاصيل ما جرى.

 

لكن المفارقة ظهرت بعد إطلاق الصواريخ الستة من شمال الليطاني في الثاني من آذار الماضي. فقد حاول الجيش التعامل مع الحادث بالطريقة نفسها، إلا أن الجانب الإسرائيلي رفض ذلك، كما لم تتجاوب لجنة الميكانيزم، بما بدا وكأنه قرار إسرائيلي مسبق بالتصعيد والاجتياح. وهنا تبرز المشكلة الأساسية: الجيش قام بمهماته، لكنه لم يجد في المقابل من يلاقي جهوده لوقف الاندفاعة الإسرائيلية العدوانية.

 

واليوم، في ما يسمى بالمناطق التجريبية، وجه الجيش رسالة واضحة إلى إسرائيل من خلال انتشاره في القرى التي تدخل ضمن هذا النطاق، قبل الانتقال إلى زوطر الغربية: “هذه القرى تحت سلطة الدولة اللبنانية، والجيش موجود فيها، وبالتالي لا يمكن التعامل معها وكأنها مناطق سائبة أو قابلة لإعادة تصنيفها وفق الرؤية الإسرائيلية”.

 

وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن الوفد العسكري اللبناني يتمسك في المفاوضات بكل شبر من الأراضي اللبنانية، وهو الموقف الذي يبدو الأكثر إزعاجاً للجانب الإسرائيلي، لأنه يضع مسألة السيادة اللبنانية في صلب أي بحث، ويرفض تحويل الاحتلال أو التوسع الميداني إلى أمر واقع قابل للتفاوض.

 

فالجيش لا يمزح في عدائه لإسرائيل، ولا في التزامه بعقيدته الوطنية. وهو يقوم بواجباته كاملة، في وقت يتلقى فيه السهام من جهات لا تصب نتائج عمله في مصلحتها السياسية. لكن المؤسسة العسكرية، في نهاية المطاف، لا تعمل لمصلحة فريق لبناني على حساب فريق آخر، ولا تدخل في الحسابات السياسية الداخلية، بل تلتزم القرارات السياسية الرسمية وتحاول إنجاحها بما يحقق المصلحة الوطنية العليا.

 

ولذلك، فإن الصورة التي يحاول البعض رسمها عن الجيش بوصفه طرفاً في التجاذبات الداخلية لا تبدو منسجمة مع دوره الفعلي. فالجيش يقوم بأدوار متشعبة، من حماية الحدود وحفظ الأمن الداخلي إلى مكافحة المخدرات ومواجهة التوترات ومنع الانفلات، بالتوازي مع مهمته الوطنية في مواجهة الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية.

 

ولعل اللقاء الذي عقده قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع نقابة محرري الصحافة اللبنانية في مكتبه بوزارة الدفاع أمس، أكد هذا الاتجاه بوضوح. فالمعادلة التي تحكم المؤسسة العسكرية هي أن الجيش لجميع اللبنانيين من دون استثناء، وأن انتماءه الوطني لا يحتمل التقسيم أو التصنيف.

 

ومن هنا، فإن البدلة العسكرية المرقطة التي يرتديها القائد والضباط وعناصر الجيش ليست مجرد زي عسكري تقليدي، بل تعبير عن مؤسسة تتوزع فيها المكونات اللبنانية كلها، مسلمين ومسيحيين ودروزاً، وتلتقي تحت سقف واحد هو لبنان.

 

في مرحلة يحاول فيها العدو الإسرائيلي جرّ لبنان إلى الانقسام، تبدو مهمة الجيش أكبر من مجرد الانتشار على الحدود أو ضبط الأمن في الداخل. إنها مهمة حماية ما تبقى من عناصر الدولة ومنع تحويل العدوان الخارجي إلى اقتتال داخلي. 

ولذلك، فإن كل الحملات التي تستهدف المؤسسة العسكرية أو تحاول تحميلها مسؤوليات تتجاوز قرارها السياسي تبدو أقرب إلى المزايدة والاستهلاك السياسي منها إلى قراءة حقيقية لدورها.

 

فالجيش، في هذه المرحلة، لا يبحث عن انتصار لفريق على فريق، ولا عن تسوية جزئية هنا أو هناك، بل عن حماية لبنان ووحدته وسيادته، وهو ما يجعل ثوابته الوطنية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

 



 

Post Author: SafirAlChamal