مساران متناقضان كشف عنهما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو مصادر مقربة من إدارته في البيت الأبيض، خلال السّاعات القليلة الماضية، يتعلقان بنظرته وطريقة تعاطي إدارته مع ملفات منطقة الشّرق الأوسط، وعلى رأسهما ملف لبنان والعدوان الإسرئيلي المستمر عليه، والآخذ في التصاعد؛ وثانيهما ملف الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والتهويل المستمر من قبل الرئيس الأميركي بعودة جبهات القتال إلى الإشتعال مجدّداً، ولكن هذه المرّة بشكل أقسى وأوسع وأكثر عنفاً.
بما يعني ملفّ لبنان، فقد كشفت وسائل إعلام أميركية أن ترامب أعطى رئيس حكومة العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو ضوءاً أخضر لتنفيذ “عملية عسكرية دقيقة” في لبنان، وفق ما كشفت مصادر ديبلوماسية أميركية، وأن ترامب وافق خلال لقائه الاخير مع نتنياهو في البيت الأبيض على توجيه مثل هذه الضربات، والتي تستهدف مواقع إستراتيجية جديدة لحزب الله في جنوب لبنان، إضافة إلى مواقع سبق أن انسحب منها الحزب سابقاً، وأنّه يسعى لإعادة التمركز فيها بشكل تدريجي، وفق اعتقاد دولة الكيان.
هذا يعني بكلّ بساطة أنّ العدوان الإسرائيلي على لبنان لن يتوقف برغم التوقيع بين لبنان ودولة الكيان، في حزيران الماضي، على “اتفاق الإطار”، وبالتالي لن يعود النّازحون إلى مناطقهم، ولن تتم عملية إعادة الإعمار لأنّ دولة الكيان سبق وأكّدت مراراً أنّها لن توقف إعتداءاتها على لبنان، ولن تنسحب من أراضيه التي تحتلها، ولن تسمح بعودة النّازحين ولا إعادة إعمار ما دمرته، كما أنّها لن تطلق سراح المعتقلين اللبنانيين لديها.
إستمرار الوضع في الجنوب على ما هو عليه من عدم تراجع ولا توقف إعتداءات إسرائيل على لبنان، بغطاء من الولايات المتحدة وبدعم مباشر منها، طرح تساؤلات عن جدوى جولات التفاوض التي تجري في العاصمة الإيطالية روما بين وفدين لبناني وإسرائيلي، وقبلها جولات التفاوض المشابهة في واشنطن، طالما أنّ هذه الجولات لم تحقق شيئاً على الأرض لمصلحة لبنان.
آخر مثال على ذلك كان ما نقلته مصادر أميركية عن أنّ ترامب وبعدما أعطى نتنياهو ضوءاً أخضر لتنفيذ ضربات في لبنان، إشترط عليه عدم إستهداف وحدات الجيش اللبناني المنتشرة في الجنوب، لكن ما حصل على الأرض كان عكس ذلك، بعدما أصيب أمس خمسة عناصر من الجيش اللبناني بجروح إثر غارة نفذتها مسيّرة إسرائيلية إستهدفت سيّارة مدنية بالقرب من مفرق بلدة صربين في قضاء بنت جبيل، أثناء مواكبة الجيش للسيّارة التي كانت متجهة إلى البلدة وبداخلها عدد من أهالي البلدة العائدين إليها.
أما المسار الثاني الذي كشف عنه ترامب أمس، وكان على طرف نقيض من الملف اللبناني، فيتمثل في تراجعه في اللحظات الأخيرة عن توجيه ضربات وشنّ حرب جديدة ضد إيران، ما جعل الشّرق الأوسط يتفادى حريقاً كبيراً، بعد تبلور ملامح إتفاق بين الطرفين، وعودتهما إلى الديبلوماسية بعد التهديد بحرب واسعة، وتهويل ترامب بضربات على إيران هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، علماً أنّها ليست المرّة الأولى التي يرفع فيها ترامب سقف التهديدات ضد إيران ثم يتراجع في آخر لحظة، بعدما تبين له أن اتساع ساحات المواجهة سيجعل الوضع يخرج عن السيطرة، كما أنّ تكلفة الحرب ستكون كبيرة جدّاً، وتداعياتها على المنطقة والعالم ستكون مرهقة للجميع، في موازاة إرتفاع أسعار النفط عالمياً، ومعه إرتفاع أسعار كلّ السّلع الأخرى، بلا استثناء.





