من لحود إلى عون2 … عندما تَعجز السياسة يُستدعى قائد الجيش.. المحامي ميشال فلاّح

في كل مرة يدخل لبنان مأزقاً رئاسياً، يعود اسم قائد الجيش إلى الواجهة، وكأن النظام السياسي، بعد أن يستنفد أسماء الزعماء والأحزاب، لا يجد سوى المؤسسة العسكرية لإنتاج رئيس جديد. تكررت الظاهرة أربع مرات منذ نهاية الحرب الأهلية، حتى بات انتخاب قائد الجيش أقرب إلى “القاعدة غير المكتوبة” كلما بلغ الانقسام الداخلي حدوده القصوى.

لكن المفارقة أن الرؤساء الأربعة الذين قدموا من اليرزة إلى بعبدا خرجوا من الرئاسة بواقع سياسي مختلف تماماً عن ذلك الذي دخلوا به. فالثقة التي حملتهم إلى المنصب لم تتحول إلى مشروع سياسي مستدام، ولم تنجح أي من التجارب، باستثناء الحالة الخاصة لميشال عون، في إنتاج مدرسة سياسية أو تيار شعبي جديد. فما الذي تقوله الوقائع؟

 

المحطة الأولى: إميل لحود… رئيس صنعته دمشق وأسقطته المتغيرات الدولية

عندما انتُخب قائد الجيش العماد إميل لحود عام 1998، لم تكن بيروت وحدها صاحبة القرار. فقد كانت سوريا صاحبة الكلمة الفصل في الحياة السياسية اللبنانية، بينما كان المجتمع الدولي يتعامل مع الوصاية السورية باعتبارها جزءاً من ترتيبات ما بعد الحرب.

دستورياً، لم يكن انتخابه ممكناً إلا بعد تعديل المادة 49 من الدستور، في سابقة فتحت الباب أمام تعديل النص الدستوري كلما وقع التوافق على قائد جيش.

دخل لحود القصر الجمهوري بصورة الضابط الصارم الذي سيواجه الفساد، مستفيداً من الشعبية التي اكتسبها الجيش بعد إعادة توحيده في تسعينيات القرن الماضي. إلا أن عهده اصطدم سريعاً بصراع مكتوم مع الرئيس رفيق الحريري حول نموذج الدولة: دولة الإدارة والأمن، أم دولة الاقتصاد وإعادة الإعمار.

ثم جاء عام 2004 ليقلب المشهد. فالتمديد الرئاسي، الذي فُرض بقرار سوري، لم يمدد ولاية لحود فقط، بل عجّل في انهيار النظام الإقليمي الذي أوصله إلى الرئاسة. وبعد اغتيال الحريري عام 2005، وانسحاب الجيش السوري، أصبح لحود رئيساً بلا الحاضنة التي جاءت به.

في تقييم الرأي العام، بقي لحود شخصية منقسمة عليها. فأنصار خط المقاومة ينظرون إليه باعتباره رئيس مرحلة تحرير الجنوب عام 2000، فيما يعتبره خصومه عنواناً للحقبة الأمنية السورية. ولم يتمكن بعد خروجه من الرئاسة من تأسيس حزب أو تيار أو كتلة نيابية، فغادر الحياة السياسية تدريجياً، وبقي حضوره محصوراً في مواقف إعلامية متفرقة.

 

المحطة الثانية: ميشال سليمان… رئيس التوازنات المستحيلة

إذا كان لحود ابن النظام السوري، فإن ميشال سليمان كان ابن التسوية العربية.

وصل إلى بعبدا عام 2008 بعد اتفاق الدوحة، إثر أحداث 7 أيار التي كادت تعيد البلاد إلى الحرب الأهلية. وكان الجيش، بقيادته، المؤسسة الوحيدة التي نجحت في تجنب الانقسام الداخلي، وهو ما رفع منسوب الثقة الشعبية به.

لكن سليمان واجه معضلة دستورية لم يواجهها أي قائد جيش قبله: فالرئيس، بعد الطائف، لم يعد صاحب السلطة التنفيذية، بل شريكاً فيها ضمن مجلس الوزراء. وهكذا وجد نفسه رئيساً توافقياً في نظام لا يسمح للحكم بأن يحكم إذا غاب التوافق.

بلغ مشروعه السياسي ذروته مع “إعلان بعبدا” عام 2012، الذي دعا إلى تحييد لبنان عن صراعات المنطقة. غير أن الحرب السورية، ودخول “حزب الله” إليها، جعلا الإعلان أقرب إلى إعلان نيات منه إلى سياسة دولة.

اللافت أن سليمان خرج من الرئاسة من دون خصومة شعبية واسعة، لكنه خرج أيضاً من دون قاعدة سياسية. فلم يؤسس حزباً (ولو أنه أنشئ “لقاء الجمهورية” غير الفاعل)، ولم يدخل الانتخابات، ولم يتحول إلى قطب سياسي. وهنا برزت للمرة الأولى ظاهرة أن الشرعية العسكرية لا تتحول تلقائياً إلى شرعية سياسية بعد انتهاء الولاية.

 

المحطة الثالثة: ميشال عون… الاستثناء الذي يؤكد القاعدة

يختلف ميشال عون جذرياً عن بقية الرؤساء العسكريين. فهو لم يصل إلى الرئاسة بصفته قائداً للجيش، بل بصفته زعيماً سياسياً قاد أحد أكبر الأحزاب المسيحية.

لقد سبقته إلى بعبدا ثلاثون سنة من المواجهات: حرب التحرير، المنفى، العودة، الانتخابات، والتحالفات.

ومع ذلك، فإن الرأي العام يقارب عهده من زاوية مختلفة. فالرئيس الذي وصل بقاعدة شعبية واسعة غادر القصر وسط واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية في تاريخ لبنان الحديث.

أنصاره يحمّلون المنظومة المالية والسياسية مسؤولية الانهيار، ويشيرون إلى أن الأزمة نتجت عن تراكمات بدأت قبل عام 2016. أما خصومه فيعتبرون أن العهد أخفق في إدارة الدولة، وأن الانهيار وقع تحت مسؤوليته الدستورية والسياسية، خصوصاً مع تعطّل الإصلاحات، وانفجار مرفأ بيروت، وتراجع الثقة الداخلية والخارجية بالدولة.

لكن المفارقة أن ميشال عون هو الوحيد بين الرؤساء العسكريين الذي بقي لاعباً سياسياً بعد الرئاسة، ليس بسبب الرئاسة، بل لأن حزبه كان موجوداً قبلها. فالتيار الوطني الحر لم يولد من العهد، بل سبق العهد بسنوات طويلة.

 

المحطة الرابعة: جوزاف عون… رئيس ما بعد الانهيار

وصل العماد جوزاف عون إلى الرئاسة في أكثر اللحظات تعقيداً منذ نهاية الحرب.

اقتصاد منهار، قطاع مصرفي مفكك، مؤسسات مشلولة، حرب على الحدود الجنوبية، وفراغ رئاسي طويل أنهك الدولة.

بعكس لحود، لم يأتِ بدعم محور إقليمي واحد.

وبعكس سليمان، لم يكن ثمرة تسوية عربية فقط.

وبعكس ميشال عون، لم يصل على قاعدة حزبية.

لقد جاء نتيجة تقاطع مصالح داخلية وخارجية على ضرورة إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، مستفيداً من الصورة التي اكتسبها الجيش خلال سنوات الانهيار، باعتباره المؤسسة الوحيدة التي حافظت على حد أدنى من التماسك.

لكن الحكم على تجربته يبقى مؤجلاً، لأن أي تقييم موضوعي للرئاسة يحتاج إلى اكتمال ولايتها أو على الأقل إلى تبلور نتائج سياساتها.

 

ماذا تقول التجارب الأربع؟

عند المقارنة، تظهر مفارقة لافتة.

إميل لحود وصل بقوة سوريا، وخرج بخروجها.

ميشال سليمان وصل بالتوافق، وخرج بانتهاء التوافق.

ميشال عون وصل بقوة حزبه، وخرج مع تراجع شعبيته.

أما جوزاف عون، فقد وصل بقوة الثقة بالجيش، ولا يزال السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الثقة ستصمد أمام تعقيدات الحكم.

والأهم أن ثلاثة من أصل أربعة رؤساء لم ينجحوا في إنشاء كيان سياسي بعد الرئاسة، ما يدل على أن المؤسسة العسكرية تمنح شرعية مؤقتة، لكنها لا تؤسس بالضرورة لزعامة سياسية دائمة.

 

لماذا يعود اللبنانيون دائماً إلى قائد الجيش؟

التفسير التقليدي يقول إن اللبنانيين يثقون بالمؤسسة العسكرية.

لكن الوقائع تشير إلى أن السبب أعمق من ذلك. فالجيش ليس فقط المؤسسة الأكثر احتراماً، بل هو أيضاً المؤسسة الوحيدة التي بقيت خارج نظام المحاصصة الحزبية إلى حد كبير. لذلك يتحول قائده، في لحظات الانهيار، إلى “مرشح الضرورة” أكثر منه “مرشح المشروع”.

وفي المقابل، فإن تكرار انتخاب قادة الجيش يعكس أزمة مزمنة لدى الطبقة السياسية. فمنذ اتفاق الطائف، لم تتمكن الأحزاب من إنتاج رئيس توافقي من صفوفها إلا مرة واحدة، مع انتخاب ميشال عون، وحتى هذا الانتخاب جاء بعد فراغ استمر تسعة وعشرين شهراً. بمعنى آخر، فإن انتخاب قائد الجيش ليس دليلاً على قوة النظام، بل على عجزه عن إنتاج بدائل سياسية مستقرة.

 

الخلاصة

تكشف التجربة الممتدة منذ عام 1998 أن الرئاسة في لبنان لا تصنع الزعامة، كما أن المؤسسة العسكرية لا تستطيع، وحدها، أن تعالج أعطاب النظام السياسي. فقادة الجيش يصلون إلى بعبدا لأنهم يمثلون نقطة تقاطع بين الداخل والخارج، وبين الحاجة إلى الاستقرار والعجز عن التوافق. لكنهم، ما إن يصبحوا رؤساء، حتى يجدوا أنفسهم أسرى نظام دستوري محدود الصلاحيات، وواقع سياسي قائم على التوازنات الطائفية، وبيئة إقليمية شديدة التقلب.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا يتكرر انتخاب قائد الجيش، بل لماذا يفشل النظام اللبناني، بعد كل أزمة، في إنتاج رئيس مدني يحظى بالحد الأدنى من الإجماع؟ وما دامت الإجابة عن هذا السؤال غائبة، سيبقى قائد الجيش مرشحاً دائماً للرئاسة كلما وصلت السياسة إلى طريق مسدود.

 

 

Post Author: SafirAlChamal