أنطون الصحناوي وصناعة الشرعية: حين يهيمن رأس المال على السياسة والإعلام.. نجلة حمود

لا تكمن خطورة الصورة التي جمعت أنطون الصحناوي برئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو في بعدها الرمزي فحسب، بل في الرسالة السياسية والأخلاقية التي تحملها. فالجلوس إلى جانب رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو الذي ارتبط اسمه بحرب مدمرة على غزة ولبنان، ويواجه اتهامات وقرارات دولية تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد لقاء عابر أو صورة بروتوكولية، بل هو فعل سياسي يطرح أسئلة مشروعة حول طبيعة النموذج الذي يُراد تقديمه في الحياة العامة اللبنانية. فحين يصدر هذا السلوك عن أحد أبرز رجال المال والأعمال في لبنان، يصبح النقاش أوسع من الشخص نفسه، ليطال العلاقة بين رأس المال والسلطة والإعلام وإنتاج الشرعية.

المسألة، إذًا، ليست صورة بقدر ما هي نموذج. الصحناوي لا يُقرأ بوصفه مصرفيًا فحسب، بل بوصفه أحد أبرز ممثلي النخبة المالية التي راكمت نفوذًا يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والإعلام والعلاقات الدولية. 

وهذا ما يجعل النقد الموجه إليه نقدًا لبنية من السلطة أكثر منه لشخص بعينه.

لفهم هذه الظاهرة، تبدو مقاربة عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو الأكثر ملاءمة. 

بورديو لا ينظر إلى رأس المال بوصفه اقتصاديًا فقط، بل يميّز بين رأس المال الاقتصادي، ورأس المال الاجتماعي، ورأس المال الثقافي، ورأس المال الرمزي. وتكمن القوة الحقيقية في قدرة الفاعل على تحويل شكل من أشكال رأس المال إلى آخر. فالمال يشتري النفوذ، والنفوذ ينتج الشرعية، والشرعية تمنح سلطة سياسية تتجاوز حدود الثروة نفسها.

ويذهب بورديو أبعد من ذلك عندما يتحدث عن مفهوم الحقل، أي الفضاء الذي تحكمه قواعد خاصة، سواء كان اقتصاديًا أو سياسيًا أو إعلاميًا. 

ففي الدول المستقرة، تحتفظ هذه الحقول باستقلال نسبي عن بعضها. 

أما في لبنان، فتبدو الحدود بينها شديدة الهشاشة، بحيث يستطيع رأس المال الاقتصادي أن ينتقل بسهولة إلى الحقل الإعلامي، ومنه إلى الحقل السياسي، ثم يعود ليحمي مصالحه الاقتصادية. وهنا لا يعود المال مجرد أداة اقتصادية، بل يصبح وسيلة لإعادة تشكيل المجال العام.

بهذا المعنى، لا يمثل صحناوي مجرد مصرفي، بل نموذجًا لفاعل يمتلك رأس مال اقتصاديًا، ويوظفه في بناء شبكات سياسية وإعلامية، ثم يحول هذا التراكم إلى رأس مال رمزي يمنحه موقعًا داخل المجال العام، حتى من دون أن يكون منتخبًا أو خاضعًا للمساءلة الشعبية.

ولا يتعلق الأمر هنا بإدارة مصرف أو مؤسسة مالية فقط، بل بشبكة نفوذ تمتد إلى الإعلام والاقتصاد والعلاقات السياسية. حيث يجسد نموذجًا لرجل الأعمال الذي لا يكتفي بالاستثمار في القطاع المصرفي، بل يسعى إلى تحويل القوة الاقتصادية إلى حضور إعلامي وتأثير سياسي، بما يسمح بإعادة إنتاج النفوذ وصناعة الشرعية. كما يربط هؤلاء بين هذا النموذج وبين الانهيار المالي اللبناني، معتبرين أن كبار الفاعلين في القطاع المصرفي يجب أن يكونوا موضع مساءلة سياسية وقضائية وأخلاقية عن السياسات التي انتهت إلى حجز أموال المودعين، وهو نقاش لا يزال حاضرًا بقوة في المجالين العام والقضائي.

والأخطر أن المجتمع اللبناني يشهد اندماجًا بين النخب الاقتصادية والسياسية والإعلامية، بحيث لا يعود القرار نتاج المؤسسات الديمقراطية وحدها، بل حصيلة تفاعل مجموعة محدودة من أصحاب النفوذ.

ويشرح المفكر وعالم السياسة الإيطالي أنطونيو غرامشي أن السيطرة لا تُمارس بالقوة وحدها، بل عبر الهيمنة الثقافية، أي القدرة على إنتاج الأفكار والخطابات التي تجعل مصالح النخبة تبدو وكأنها المصلحة العامة. 

وهنا يصبح الإعلام عنصرًا أساسيًا في صناعة الشرعية، لا مجرد وسيلة لنقل الأخبار. فعندما يمتلك أصحاب الرساميل القدرة على تمويل المؤسسات الإعلامية أو التأثير فيها، يتحول المجال الإعلامي من فضاء للمساءلة إلى أداة لإعادة إنتاج النفوذ. ولا يعود الإعلام سلطة رقابية، بل يصبح، في كثير من الأحيان، جزءًا من منظومة القوة التي يفترض به مراقبتها.

من هنا، فإن نقد صحناوي لا ينبغي أن يُختزل في صورة مع نتنياهو، لأن الصورة ليست سوى عرضٍ لمرض أعمق. 

القضية الحقيقية هي نموذج اقتصادي ـ سياسي يسمح بتراكم المال، ثم بتحويله إلى نفوذ إعلامي، ثم إلى شرعية سياسية، في ظل غياب قواعد صارمة تمنع تضارب المصالح بين المصارف والإعلام والسياسة.

والأخطر أن هذا النموذج يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه المدافع عن الديمقراطية والدولة الحديثة، فيما يقوم عمليًا على تركيز النفوذ الاقتصادي والإعلامي في أيدي قلة. فلا يمكن، وفق تعريف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، أن تقوم دولة حديثة تحتكر السلطة الشرعية إذا كانت عاجزة في الوقت نفسه عن حماية المجال العام من هيمنة مراكز القوة الاقتصادية التي تنافسها في إنتاج الشرعية وصنع القرار والتأثير في الرأي العام.

لذلك، فإن النقاش الحقيقي ليس حول أنطون صحناوي كشخص، بل حول النموذج الذي يجسده: نموذج تتحول فيه الثروة إلى نفوذ، والنفوذ إلى شرعية، والشرعية إلى سلطة سياسية غير خاضعة للمساءلة. وهذه ليست أزمة أفراد، بل أزمة دولة لم تستطع بعد أن تفصل بين رأس المال والسلطة، ولا بين الإعلام والمصلحة العامة. وما تكشفه الصورة، في نهاية المطاف، ليس فقط هوية من جلس إلى جانب نتنياهو، بل طبيعة النخبة التي تسعى إلى احتكار السياسة عبر المال، وإلى احتكار الرأي العام عبر الإعلام، وإلى تقديم نفوذها الخاص على أنه مصلحة وطنية.

 

Post Author: SafirAlChamal