في وقت تعلن فيه الهيئات العالمية والمنظمات الأممية وما يسمى المجتمع الدولي عجزها المتواطئ وصمتها المشبوه عن لجم آلة الحرب الإسرائيلية، يخرج وزير مالية العدو الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بتصريح يختزل فيه شرح العقيدة التوسعية للكيان الصهيوني الإرهابي، معلناً صراحة أن إسرائيل لن تتوقف عن تحقيق أهدافها حتى “تغير الجغرافيا” في غزة، الضفة الغربية، لبنان، وسوريا.
هذا الاعلان الفج، والذي يعكس اعترافاً لا لبس فيه بمطامع المشروع التوسعي الصهيوني، ليس مجرد تصريح عابر في سياق المواقف التصعيدية الاسرائيلية في هذه المرحلة الزمنية من التوتر الذي يضرب العالم بأنظمته وكياناته، بل هو خارطة طريق معلنة للاستعمار الإحلالي الذي يهدف إلى إعادة رسم المنطقة بالحديد والنار، مستفيداً من حالة التشرذم العربي والإسلامي.
يتزامن هذا الصلف الإسرائيلي مع استئناف عمليات القتل والاستهدافات الوحشية للعدو في قطاع غزة بموازاة توسيع الاستيطان المسعور في الضفة المحتلة، ما يضع الأمة العربية والإسلامية أمام استحقاق تاريخي ومصيري: إما التكتل في جبهة موحدة لصد هذا التمدّد السرطاني، أو الاستسلام لجغرافيا الدم والتفتيت التي يسعى الاحتلال لفرضها.
تنطلق تصريحات سموتريتش وغيره من مسؤولي الاحتلال من عمق الأيديولوجيا الصهيونية التي لا تؤمن بالحدود المعترف بها دولياً، بل ترى في أرض “إسرائيل الكبرى” هدفاً يجب تحقيقه عبر الإبادة والتهجير وقضم الأراضي؛ وما يحدث في غزة من تدمير ممنهج للبنى التحتية وتحويل القطاع إلى مكان غير قابل للحياة، وما يجري في الضفة الغربية من مصادرة للأراضي وتقطيع لأوصال المدن والقرى، هو التطبيق العملي لمفهوم “تغيير الجغرافيا”.
لم يعد الهدف الإسرائيلي يقتصر على تأمين جبهة أو الرد على “تهديد” مزعوم، بل بات السعي واضحاً لإحداث تحول ديموغرافي وجغرافي جذري يشمل ما كان يسمّى دول الطوق، وعلى رأسها لبنان وسوريا – وصولاً إلى العراق وتركيا ومصر في مرحلة لاحقة – هذا المشروع التوسعي يعتمد بشكل أساسي على الدعم الغربي – الامريكي اللامحدود، وعلى حالة الضعف والوهن التي تفتك بالنظام الإقليمي العربي والاسلامي، مما جعل قادة الاحتلال يتجرأون على إعلان خططهم التصفوية دون خوف من عقاب أو ردع.
في مقابل التغول الصهيوني والانكفاء العربي والتواطؤ الدولي، برزت الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا سيما في عهد مرشد الثورة الراحل السيد علي الخامنئي، كقوة إقليمية حاسمة وضعت القضية الفلسطينية في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية والعقائدية؛ فلم تكن نصرة طهران للقضية الفلسطينية وعدالتها مجرد شعار سياسي – عقائدي أو مناورة دبلوماسية قائمة على المصلحة، بل هي نهج عملي مستدام يسعى لإعادة الاعتبار للقدس كونها “القضية المركزية الأولى” للأمّة جمعاء.
وقد انطلق الخامنئي في رؤيته من مبدأ إسلامي وحدوي يرى أن تحرير فلسطين ليس مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل هو واجب شرعي وقومي وإنساني يقع على عاتق كل مسلم وعربي؛ وفي هذا السياق ركزت الجهود الإيرانية على تحويل هذا الإيمان إلى واقع ملموس من خلال دعم فصائل المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح والخبرات، وتأسيس شبكة ترابط لوجستي وسياسي عبر ما بات يُعرف بـ”محور المقاومة”.
إن هذه الرؤية الإيرانية تقدم نموذجاً لكيفية تجاوز الخلافات المذهبية والسياسية الضيقة في سبيل الهدف الأسمى، وهو كسر الهيمنة الصهيو-الأمريكية في المنطقة وتثبيت حق الشعب الفلسطيني في أرضه من النهر إلى البحر.
وعليه فإن مواجهة مشروع “تغيير الجغرافيا” الذي يتحدث به سموتريتش لا يمكن أن تتم عبر التنديدات الدبلوماسية الباهتة أو الرهان على وسيط أمريكي هو في الأصل شريك في العدوان، بل إن السبيل الوحيد لردع الاحتلال وإجباره على التراجع يكمن في إحياء المقترح الوحدوي المتمثل في إنشاء جبهة موحّدة وممتدّة لطرد الاحتلال.
وتتطلب هذه الجبهة تكامل الأدوار بين مختلف القوى الحية في الأمة العربية والإسلامية، وتستند إلى المرتكزات التالية:
– وحدة الساحات والمسار: إن الترابط بين الجبهات يجب أن يتحوّل من تنسيق عسكري ظرفي إلى استراتيجية دفاعية وهجومية شاملة، تشعر العدو بأن أي اعتداء على شبر من أرضنا سيواجه برد موحد وغير متوقع.
– التكامل الاقتصادي والسياسي: استخدام أوراق القوة التي تملكها الدول العربية والإسلامية، من النفط والغاز إلى الممرات المائية الحيوية، للضغط على الدول الداعمة للاحتلال وتدفيعها ثمن انحيازها الأعمى.
– إعادة بناء الوعي الجمعي: تركيز الجهود الإعلامية والثقافية والدينية على جعل القدس البوصلة التي تلتقي عندها كل الطاقات، وتجاوز الصراعات البينية والفتن الطائفية التي لا تخدم سوى الكيان الصهيوني.
إن اللحظة التاريخية الراهنة لا تحتمل الرمادية أو الوقوف على الحياد؛ فإما أن تنجح قوى الاستكبار والتوسع في فرض جغرافيتها الجديدة المبنية على أنقاض حقوقنا ووجودنا، وإما أن تنتفض الأمّة العربية والإسلامية وشعوبها لتفرض جغرافية الحق والتحرير، كما أن الموقف المبدئي الذي تعبر عنه القيادة الإيرانية والدعم المستمر الذي تقدمه للمقاومة، يجب أن يكون حافزاً لبقية العواصم العربية والإسلامية لمراجعة حساباتها والالتفاف حول القضية المركزية.
إن دماء الشهداء في غزة والضفة وجنوب لبنان وسوريا تستحضر ضمير الأمة الوحدوي، مؤكدة أن النصر ليس مستحيلاً، بل هو ثمرة حتمية لرص الصفوف والعمل الدائب في جبهة واحدة لإجهاض المشاريع الامريكية التوسعية وإنهاء أسوأ احتلال عرفه التاريخ الحديث.




