لم تكن خطوط الحبر التي كُتب بها “اتفاق الإطار الثلاثي” في واشنطن بين السلطة اللبنانية وكيان الاحتلال الإسرائيلي كافية لمنحه الحياة في بلد تتكرّس فيه الشرعية وفق القواعد الوطنية والسيادية وليس بالإملاءات الخارجية.
لم يكد نص اتفاق الذلّ يخرج إلى العلن، حتى تهاوى المشروع في وجدان الشعب اللبناني، فهو في نظر شريحة واسعة وعابرة للطوائف والمكوّنات السياسية وثيقة استسلام ولدت ميتة، ولا تملك مقوّمات الصمود والاستمرار أمام اختبار الواقع والسيادة الوطنية.
اتضح سريعاً أن ما عدّته سلطة التفاوض مساراً للتسوية، لم يكن سوى فخ سياسي وأمني يعزل لبنان عن محيطه الإقليمي ويجرده من عناصر قوته، وجاءت التسريبات التي بثتها القناة 12 الإسرائيلية حول “الملحق الأمني السري” لتشكّل الصدمة الكبرى وتفضح المستور الذي طلبت السلطة إخفاءه؛ إذ كشفت أن المادة الرابعة من الملحق ترهن أي انسحاب إسرائيلي بالظروف الميدانية واختبار النتائج على الأرض دون جدول زمني محدد، فضلاً عن “تكريس حرية عمل الجيش الإسرائيلي داخل الخط الأصفر لمواجهة التهديدات المباشرة” وفق نص المادة، وهو ما يشرعن بشكل مباشر بقاءً طويل الأمد للاحتلال.
عزز هذا الاتجاه التصريحات المتتالية لرئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، والتي أكدا فيها بوضوح أن بقاء الجيش الإسرائيلي في لبنان سيكون طويل الأمد.
في المقابل، وأمام هذا المشهد الذي يمس جوهر السيادة ويهدد بإشعال فتيل الفتنة الداخلية، تشكلت جبهة اعتراضية واسعة النطاق ضمت مختلف الألوان السياسية والحزبية والعقائدية في البلاد، رافضة تحويل لبنان إلى حديقة خلفية للشروط الأميركية – الإسرائيلية، وجاء الموقف الحاسم الأول من رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أعلن بوضوح في اكثر من مناسبة: “لن نصادق على اتفاق واشنطن .. هو اتفاق فتنة وضد نفسه ولا يمكن أن يُطبق.. وكأنه لم يكن”، محذراً من محاولات المساس بالجيش أو إقالة قائده العماد رودولف هيكل لكونها بوابة للكارثة، معتبراً أن الاتفاق أسوأ بعشر مرات من اتفاق ١٧ أيار المشؤوم، ومؤكداً جهوزيته للمواجهة الدستورية عبر كتلة نيابية وازنة لمنع مروره، فهو اتفاق مرفوض شكلاً ومضموناً، وتكمن خطورته في محاولة خلق مناخات من الفتنة الداخلية التي لن يُسمح بالعودة إليها.
على الخط نفسه، وصفت قيادة حزب الله الاتفاق بـ”اتفاق الذل والعار والتنازل عن السيادة”، وأعلن الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أن “الاتفاق منعدم الوجود”، مطالباً بالارتكاز على مذكرة التفاهم الإيرانية-الأميركية وتطبيقها كونها تنص على الانسحاب الإسرائيلي، فيما شدد رئيس كتلة الوفاء للمقاومة الحاج محمد رعد على أن هذا الاتفاق “مشؤوم ومرفوض جملة وتفصيلاً” ويمثل تفريطاً فاضحاً بحقوق اللبنانيين وسيادتهم.
لم يقتصر الرفض على ضفة سياسية واحدة، بل امتد ليعبّر عن عمق المكوّنات المسيحية الوطنية في البلاد، حيث انتقد التيار الوطني الحر الاتفاق بشدة بسبب غياب النص الصريح على الانسحاب الإسرائيلي الفوري، وعدم وجود جدول زمني محدد، إلى جانب تجاهل اتفاقية الهدنة التاريخية لعام ١٩٤٩. كما اعتبر تيار المردة أن السلطة ارتكبت خطأً استراتيجياً بالتفاوض بعد التفريط بعناصر القوة اللبنانية، مؤكداً أن المقاومة كان ينبغي أن تظل ورقة قوة أساسية على طاولة المفاوضات لا أن يتم محاولة نزع سلاحها وتعرية الوطن.
وفي القراءة السياسية العميقة للاتفاق، وصف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط الاتفاق بأنه “ثلاثي شكلاً وأحادي مضموناً”، منتقداً إسقاط وتجاهل اتفاق الهدنة الذي يُعد جزءاً لا يتجزأ من اتفاق الطائف، وخطاب القسم، والبيانات الوزارية المتعاقبة.
أما القوى والأحزاب الوطنية فقد تقاطعت كلها عند نقطة إسقاط الاتفاق، ومن أبرزها:
– الحزب الديمقراطي اللبناني: وصف الاتفاق بالغير متوازن، واعتبره تشريعاً للاحتلال ووصفة للفتنة الداخلية.
– الحزب السوري القومي الاجتماعي: اعتبره جريمة وطنية ونسخة مكررة من اتفاق ١٧ أيار.
– الحزب الشيوعي اللبناني: أعلن رفضه القاطع للاتفاق ومخرجاته.
– التنظيم الشعبي الناصري: حذر من الأفخاخ الإسرائيلية ودعا لتحصين الجبهة الداخلية.
– حركة الشعب: دعت إلى تحركات شعبية واسعة لإسقاط الاتفاق والسلطة التي وقعت عليه.
– رابطة الشغيلة: رأت فيه استهدافاً مباشراً لعناصر القوة اللبنانية.
– تيار صرخة وطن: وصفه بأنه “وصفة لتفجير الوضع اللبناني”.
– النائب جهاد الصمد اعتبر أن الاتفاق يشرّع الاحتلال الاسرائيلي للبنان ويهدر دماء الشهداء.
– السياسي كمال الخير: أكد أن الاتفاق يمثل استسلاماً ولا يعبر عن غالبية الشعب اللبناني.
تكاملت هذه المواقف السياسية مع موقف المرجعيات الدينية؛ فقد حذر نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب من أن الاتفاق يمثل إذعاناً للرغبات الإسرائيلية ويعمق الانقسام الداخلي، فيما ودعت هيئة علماء المسلمين في لبنان المجلس النيابي إلى إسقاط الاتفاق فوراً، رافضة أي صيغة لا تتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً أو تمهد للتطبيع، وطالبت بعقد مؤتمر وطني جامع. كما اعتبرت هيئة علماء بيروت وتجمع علماء المسلمين الاتفاق تشريعاً للاحتلال وإلغاءً للشراكة الوطنية.
وعلى الصعيد المدني والأهلي، أكدت مؤسسة عامل الدولية أن تجاهل الاتفاق لاتفاقية الهدنة وللانسحاب من الأراضي المحتلة يهدد بالانزلاق نحو الفتنة. وشاركت في هذا الموقف القيادة المشتركة للحزب الديمقراطي الشعبي والعمل الاشتراكي العربي، إلى جانب حزب الوفاق الوطني، التيار العربي، حزب الراية الوطني، حزب التحرير وحركة الأمة والهيئة السنية لنصرة المقاومة، بالإضافة إلى لقاء الأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية اللبنانية، وحركة النضال اللبناني العربي، ولقاء مستقلون من أجل لبنان، ولجنة أصدقاء الأسير يحيى سكاف. الكل أجمع على أن الاتفاق هو “اتفاق إذعان وملعون” يفتقد لأي صفة شرعية أو تمثيلية.
صُمم مسار واشنطن لضرب التفاهمات الإقليمية، وتحديداً التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران (أو ما يُعرف بمسار إسلام آباد)، محاولاً استغلال التجاذبات الأميركية الداخلية بين أقطاب الإدارة مثل ماركو روبيو وجاي دي فانس، ليدفع لبنان وحيداً ثمن هذه الصراعات، وجاءت الخلاصة لتعبّر عن عزلة السلطة وانكشاف المشروع. وفي مقابل هذا الإجماع الوطني العارم الرافض لاتفاق الذل، بدا التأييد له محصوراً في أوساط ضيقة جداً تمثل الخط الانعزالي كـ “قوات سمير جعجع” وما تبقى من فلول حزبية تدور في الفلك الأميركي.
لقد سقط “اتفاق الإطار الثلاثي” في الوجدان اللبناني قبل أن يصل إلى قاعات المؤسسات الدستورية، اما محاولة سلطة التفاوض العناد والمضي في مسار الانبطاح أمام الإملاءات الخارجية فقد عرت السلطة تماماً وأفقدتها غطاءها الوطني. والأكيد أن أي اتفاق، سواء جاء مفروضاً من الخارج أو مدسوساً من الداخل، لا يمكن له أن يحيا في لبنان إذا كان ثمنه التنازل عن الأرض، أو التخلي عن الأسرى، أو التفريط بدماء الشهداء وعناصر القوة. ومع اتساع رقعة الرفض الشعبي، والإعلامي والسياسي، بات من الواضح أن هذا الاتفاق لن يمر، وأن مصيره السقوط الحتمي تحت أقدام الإرادة الوطنية اللبنانية، تماماً كما سقط اتفاق ١٧ أيار من قبل.




