في تطوّر ليس الأوّل من نوعه أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تراجعه عن توجيه ضربات عسكرية ضدّ إيران كانت مقرّرة الليلة الماضية، ومضيفاً أنّ المحادثات الجارية مع إيران بهدف التوصّل إلى اتفاق لوقف اطلاق النار وصلت إلى أعلى المستويات، وكاشفاً أنّه من المقرّر إعلان زمان ومكان التوقيع على الإتفاق مع إيران قريباً، وأنّ دولاً إقليمية كالسّعودية والإمارات وقطر شاركت في محادثات التفاهمات الجارية بشأن إيران.
لكنّ الإقتراب من التوصّل إلى اتفاق أميركي ـ إيراني لوقف إطلاق النّار في المنطقة لا يعني أنّ الإتفاق قد تمّ نظراً لتعقيدات كثيرة إعترضته، إذ سبق منذ الأيّام الأولى لاندلاع المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى أن أُعلن أكثر من مرّة بأنّ الإتفاق قد وصل إلى خواتيمه، وأنّه يخضع لوضع اللمسات الأخيرة عليه، ليتبين لاحقاً بأنّ الأمور ما تزال تدور في حلقة مفرغة، أو أنّها عادت إلى نقطة الصفر وتأزّم الوضع عسكرياً على الأرض وعلى مختلف الجبهات بين الطرفين، بسبب شروط وشروط مضادة أظهرت أنّ طبخة التسوية لم تنضج بعد.
غير أنّ المفارقة أظهرت أنّ موجة التفاؤل التي سادت منذ ليل أمس في المنطقة والعالم بقرب إنهاء الحرب، إثر إعلان ترامب موقفه الأخير، لم تنسحب على لبنان، بعدما تبيّن بأنّ مقاربة البلد للتسوية المقبلة ليست على موجة سياسية داخلية واحدة، وأنّ كلّ طرف لبناني له قراءته التي تختلف عن قراءة الطرف اللبناني الآخر، ما ترك إنطباعاً واسعاً، ليس الأوّل من نوعه، وهو أنّه حتى لو تمّ التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النّار في المنطقة فإنّه لن يسري على لبنان، وإذا طُبّق في لبنان فسيكون هشّاً.
هذا الإنطباع التشاؤمي يعود إلى جملة عوامل لبنانية بحتة، بعيداً عن العوامل الخارجية التي تؤثّر بشكل أو بآخر في الوضع اللبناني برمته، نتيجة التنافس والصّراعات المتعدّدة في لبنان وعليه، وجعل العوامل الداخلية في هذا المجال تتقدم على العوامل الخارجية بأشواط.
من أبرز هذه العوامل، الإنقسام الدّاخلي الذي لم يُفارق لبنان منذ نشأته عند إعلان دولة لبنان الكبير في العام 1920؛ وهو إنقسامٌ تداخلت فيه العوامل السّياسية والدّينية والطّائفية والمذهبية والشّخصية والمناطقية بشكل عمودي أدى طيلة أكثر من قرن على تفجير صراعات وحروب أهلية لم تفارق لبنان طيلة هذه الفترة إلّا نادراً.
وزاد من هذا الإنطباع الإرتباط الذي لم يعد خافياً بين مسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني مع مسار التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي الجاري في واشنطن برعاية اميركية، لأنه كلّما تعقدت الأمور على المسار الأوّل تعقّدت أكثر على المسار الثّاني، والعكس صحيح.
ومع ذلك فإنّ انفراج الوضع على مسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني، كما حصل ليل أمس، لا يتوقع له أن يُنتج إنفراجاً داخلياً وعلى مسار التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي، نظراً لتعقيدات وخصوصيات لبنانية، منها أنّ بعض الأطراف في الدّاخل التي على خصومة مع حزب الله لا تريد أن تنتهي الحرب قبل تحجيمه، إن لم يكن القضاء عليه، مقابل أكثرية لبنانية تترقب إنتهاء الحرب في أوّل فرصة للخروج من الأزمات التي يغرق فيها البلد، عدا عن أنّ رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو لا يجد له مصلحة في انتهاء الحرب قبل تحقيق أهدافه منها، وأبرزها القضاء على حزب الله، وهي لم تتحقق، لكنّه إذا ما اضطر وأذعن للقبول بوقف إطلاق النّار، تحت ضغوطات قد تمارس عليه، فإنّه لن يوافق على سحب جيشه من لبنان قبل نزع سلاح حزب الله، كما أنّه لن يتواني عن خرق الإتفاق عندما يحين له ذلك في أوّل فرصة.




