بين أنين غزة تحت القصف، وصراخ جنوب لبنان على خط النار، وتعثّر الداخل اللبناني في مستنقعاته الطائفية، يرسم المشهد اليوم لوحة قاتمة لشرقٍ أنهكته الحروب وغيّبته الحسابات الضيقة.
وجعٌ فلسطيني لا يهدأ، يقابله تصلّب لبناني لا يلين، يقابله بدوره ترهّل إقليمي فقد بوصلته وهويته. وفي الوسط، يقف المواطن حائراً أمام سؤال واحد: أيّ أفق ستنتجه الأيام القادمة في زمنٍ غابت فيه الرؤية وسيطر الضباب؟
غزة… الوجع الذي لا يغيب
لا يمكن الحديث عن حال المنطقة دون المرور بجراح غزة. فما يعانيه الشعب الفلسطيني هناك ليس مجرد فصل في كتاب الصراع، بل هو الجرح المفتوح الذي ينزف على ضمير الأمة كلها.
القصف المتكرر، والحصار الخانق، وتدمير مقومات الحياة، حوّلت القطاع إلى رمز للصمود، وأيضاً إلى مرآة تعكس عجز النظام العربي والإسلامي عن إنتاج موقف موحّد يحمي أهله. وكلما ارتفع صوت الدمار في غزة، عاد السؤال ليطرح نفسه: هل بقي للعرب والمسلمين قدرة على تحويل التضامن الشعبي إلى فعل سياسي مؤثر؟
جنوب لبنان… خط النار الممتد
من غزة إلى جنوب لبنان، المسافة جغرافية لكن الجرح واحد.
الجنوب اللبناني تحوّل منذ عقود إلى ساحة اشتباك مفتوحة، تتبدل فيها أسماء الخصوم لكن تبقى معادلة الدمار ثابتة. القرى الحدودية تدفع الثمن الأكبر، والمدنيون هم أول ضحايا أي تصعيد. وما يزيد الأمر تعقيداً أن جنوب لبنان لم يعد قضية وطنية خالصة، بل صار جزءاً من شبكة صراعات إقليمية تتقاطع فيها مصالح إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فيما يبقى لبنان الرسمي عاجزاً عن رسم سياسة دفاعية تحمي أرضه وتحفظ قراره.
الداخل اللبناني… تعنّت بلا سقف
إذا انتقلنا من الخارج إلى الداخل، نجد أنفسنا أمام مشهد لا يقل قتامة.
لبنان، بتعدده الطائفي، تحوّل إلى حلبة صراع متبادل. كل فريق يرصد تحركات خصمه وحليفه وشريكه، والسكاكين جاهزة قبل أي حوار. فلا السنّي راضٍ عن تمثيله ودوره في الدولة، ولا المسيحي مطمئن على خصوصيته ومشاركته، ولا الشيعي واثق من مستقبل سلاحه وموقعه.
النتيجة: دولة بلا سلطة فاعلة، ومؤسسات بلا قرار، وشعب بلا أفق.
التعنّت السياسي صار ثقافة، والمحاصصة صارت ديناً، والوطنية اختُزلت في بيانات إعلامية لا تُترجم إلى فعل على الأرض. وفي ظل هذا التشرذم، يغيب صوت العقلاء، أو يُغيّب عمداً، لأن منطق “الربح الصفري” لا يترك مساحة للوسطيين.
الإقليم… ترهّل وفقدان هوية
خارج حدود لبنان، الصورة لا تبعث على التفاؤل.
الإقليم العربي والإسلامي يعيش مرحلة ترهّل غير مسبوقة. أنظمة منهكة بالديون والأزمات، وحركات فقدت مشروعها أو تورطت في صراعات داخلية، وشعوب تعبت من الشعارات ولم تعد تجد مشروعاً جامعاً يحاكي تطلعاتها.
والهوية الجامعة التي كانت يوماً “عروبة” أو “إسلاماً سياسياً” أو “قومية” تراجعت، وتحوّلت إلى شعارات استهلاكية. ولم يعد للإقليم قدرة على إنتاج رؤية موحّدة للأزمات، لا في فلسطين، ولا في سوريا، ولا في اليمن، ولا حتى في لبنان. الضبابية هنا ليست ظرفية، بل هي انعكاس لفقدان بوصلة تجمع المشرق على مشروع واحد.
عقلاء الداخل والخارج… الغياب المريب
في خضم هذا المشهد، يبرز السؤال الأخطر: أين العقلاء؟ عقلاء الداخل اللبناني مغيّبون عن المشهد السياسي والإعلامي، إما طوعاً بسبب الإحباط، أو قسراً بسبب إقصاء قوى الأمر الواقع لهم. ومن دون عقلاء الداخل، يصبح أي حديث عن عقلاء الخارج ضرباً من الوهم.
فالخارج الذي يُفترض به أن يكون سنداً للدولة اللبنانية، صار طرفاً في اللعبة. بعضه يتعامل مع لبنان كساحة نفوذ، وبعضه الآخر اكتفى بالمشاهدة. إن أحسنا الظن وقلنا إن عقلاء الخارج غائبون، وإن أسأنا الظن فالخبث الخارجي حاضر بقوة في رسم خرائط الصراع وتغذية الانقسام.
هل للأيام أن تنتج حلاً؟
وسط هذا المشهد المركّب، تبدو الرؤية ضبابية. الأيام لا تنتج حلولاً من فراغ، بل هي نتاج إرادات سياسية وشعبية. وطالما بقي اللبنانيون يصطادون في بحيرات بعضهم البعض، وطالما بقي الإقليم بلا هوية ولا مشروع، فإن أي أفق للحل سيظل سراباً.
الجراح واحدة: غزة، جنوب لبنان، بيروت. والدواء واحد: كفّ اليد عن صيد الشريك، وعودة العقلاء إلى واجهة القرار، وإحياء فكرة الدولة قبل أن يتحول الضباب إلى قدر دائم.
غير ذلك، سنبقى ندور في حلقة مفرغة: وجعٌ من الخارج، وتعنتٌ في الداخل، وترهّلٌ في الإقليم… ولا أفق إلا بمقدار ما نصنعه بأيدينا.




