في الوقت الذي يستمر فيه العدوان الإسرائيلي المفتوح على لبنان، تبدو السلطة السياسية غارقة في تناقضاتها، عاجزة عن إنتاج موقف وطني موحّد حيال المفاوضات المطروحة برعاية أميركية.
وبين واقع الميدان الذي تفرضه الاعتداءات الإسرائيلية اليومية وردّ المقاومة المستمر، وبين الضغوط الأميركية العلنية التي تُمارَس على الدولة اللبنانية عبر سفيرها في بيروت ميشال عيسى، يتكرّس مشهد سياسي مرتبك يعكس حجم التخبط الحاصل.
قبل أيام، ساد انطباع بأن الرؤساء الثلاثة جوزيف عون ونبيه بري ونواف سلام توصّلوا إلى تفاهم يقضي بعدم الدخول في أي مفاوضات قبل وقف العدوان الإسرائيلي وانسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية.
وقد سارع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب إلى التأكيد على هذا الموقف، بما أوحى بأن لبنان نجح، ولو مؤقتاً، في تثبيت حدّ أدنى من الثوابت الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية.
لكن يبدو أن هذا التماسك لم يصمد أكثر من 48 ساعة، إذ جاء بيان الخارجية الأميركية أمس ليكشف عن انعقاد المرحلة الثالثة من المفاوضات في واشنطن يومي 14 و15 الجاري، مع تكليف السفير سيمون كرم ترؤس الوفد اللبناني، في خطوة بدت وكأنها انقلاب سياسي على المواقف المعلنة، أو على الأقل تراجع واضح عنها تحت وطأة الضغط الأميركي.
اللافت أن لبنان يذهب إلى المرحلة الثالثة من المفاوضات فيما العدوان الإسرائيلي مستمر بلا أي ضوابط، وبعد أيام فقط على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت والاعلان عن إغتيال قائد فرقة الرضوان، ما يعني أن الجلستين الماضيتين اللتين عقدتا بين السفيرة ندى حمادة معوض والسفير الاسرائيلي يحيئيل ليتر لم تفضيا الى أية نتيجة إيجابية يمكن البناء عليها لا سيما على صعيد وقف الاعتداءات، وهذا يعني أن السلطة السياسية سوف تجلس مجددا إلى طاولة التفاوض تحت النار.
في هذا السياق، بدا رئيس الحكومة نواف سلام غارقاً في تناقضات يصعب تجاهلها، فمن جهة يتحدث عن ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية، ومن جهة أخرى يؤكد أن استمرار العدوان لن يمنع لبنان من متابعة مساره التفاوضي، بل إن مسألة وقف النار نفسها ستُطرح على طاولة التفاوض. وهذا يعني عملياً منح إسرائيل فرصة استخدام العدوان كورقة ابتزاز سياسية وعسكرية لفرض شروطها على لبنان.
أما الأخطر في كلام سلام، فهو حديثه عن “جدولة الانسحاب الإسرائيلي”، وكأن الاحتلال لم يعد قضية سيادية تستوجب العمل الجدي لتأمين الانسحاب الفوري وغير المشروط.
كما أن القبول بمبدأ الجدولة يمنح العدو هامشاً واسعاً لتكريس وقائع ميدانية وسياسية جديدة، ويحوّل الاحتلال إلى ملف تفاوضي مفتوح بدل أن يكون خرقاً واضحاً للقانون الدولي وللسيادة اللبنانية.
من الواضح أن السلطة السياسية تسير بإتجاه الدخول في المسار التفاوضي بمرحلته الثالثة تحت القصف الإسرائيلي، وفي المقابل تتمسك المقاومة بخيار المواجهة وترفض أي تفاوض قبل وقف الاعتداءات والانسحاب الكامل.
هذا الانقسام العامودي بين السلطة السياسية والمقاومة يجعل الوصول إلى أي اتفاق أمراً شبه مستحيل، فالسلطة تمتلك قرار التفاوض لكنها لا تمتلك عناصر القوة الميدانية، فيما تمتلك المقاومة قوة الردع والسلاح لكنها خارج القرار الرسمي للدولة. وبين الطرفين تضيع الاستراتيجية الوطنية الجامعة لمواجهة العدوان.
في غضون ذلك، لم يعد الرهان على الضمانات الأميركية يقنع أحداً في لبنان، بعدما أثبتت التجربة خلال أكثر من خمسة عشر شهراً من العدوان الإسرائيلي أن واشنطن ليست وسيطاً نزيهاً، بل شريكاً سياسياً كاملاً في الضغط على لبنان وتوفير الغطاء لإسرائيل، وبالتالي فإن الاتجاه نحو تجربة جديدة من هذا النوع، يؤكد أن من جرّب المجرّب كان عقله مخربًا، خصوصا أن أي مسار تفاوضي يُبنى على وعود أميركية يبدو أقرب إلى وهم سياسي منه إلى فرصة حقيقية لحماية لبنان أو استعادة حقوقه.
تقول مصادر سياسية مواكبة لـ”سفير الشمال”: “إن الحاجة ملحّة اليوم إلى إعادة بناء مقاربة وطنية موحّدة تجمع بين القرار السياسي وعناصر القوة الميدانية، لأن الذهاب إلى المفاوضات تحت النار، ومن دون أوراق قوة حقيقية، لن يؤدي إلا إلى تكريس الاختلال القائم ومنح إسرائيل ما عجزت عن تحقيقه بالقوة العسكرية.






