المطران عودة: الإيمان فعل محبة وشهادة جريئة في وجه اليأس

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد الإنجيل ألقى عظة بعنوان “المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور”. وقال فيها: “اليوم تقيم كنيستنا المقدسة تذكار النسوة الحاملات الطيب، ويوسف الرامي، ونيقوديموس التلميذ الليلي، وتقودنا إلى عمق المحبة الجريئة، والإيمان العامل في الظلمة، والرجاء الذي لا ينطفئ أمام ختم القبر وحراسة الجند. سمعنا في إنجيل اليوم (مرقس 15: 43-47؛ 16: 1-8) أن يوسف الرامي، ذلك الرجل الشريف، الذي «كان هو أيضا منتظرا ملكوت الله»، دخل بجرأة إلى بيلاطس وطلب جسد الرب يسوع ليدفنه، وقد اشترك معه في تكريم الجسد الطاهر نيقوديموس الذي أتى إلى الرب ليلا. أما النسوة الحاملات الطيب، اللواتي لم يخفن الموت ولا الحجر والحراس، فقد مضين باكرا جدا ليقدمن ما في قلوبهن من محبة تفوق الحسابات البشرية. وفي أعمال الرسل (6: 1-7)، نرى الكنيسة الأولى وهي تنظم خدمتها، لئلا يهمل أحد، فتقام خدمة الشمامسة كامتداد عملي لروح المحبة ذاتها”.

أضاف: “تلفتنا في يوسف الرامي جرأته. فقد كان عضوا في المجلس، في البيئة نفسها التي حكمت على المسيح، ومع ذلك لم يختبئ خلف الصمت واللامبالاة، بل أعلن موقفه في اللحظة التي بدا فيها كل شيء قد انتهى. هذه الجرأة ليست تهورا، بل ثمرة رجاء حي. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن يوسف «أظهر شجاعة عند موت المسيح أعظم مما أظهره التلاميذ في حياته»، لأن الإيمان الحقيقي لا يتزعزع أمام التجارب. في عالم اليوم، حيث يقاس النجاح بالظهور والقوة والغنى، يدعونا يوسف إلى إيمان لا يخجل من إعلان نفسه، حتى عندما يبدو أن الحق مهزوم”.

وتابع: “نعيد اليوم أيضا لنيقوديموس وهو « من الفريسيين،  رئيس لليهود» (يو3: 1) ، كان «جاء إلى يسوع ليلا وقال له يا معلم، نعلم أنك قد أتيت من الله معلما، لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل إن لم يكن الله معه» (يو3: 2). نراه الآن يخرج إلى العلن،« حاملا مزيج مر وعود» (يو19 :39). لقد تحول خوف الليل إلى شهادة في وضح النهار. تذكرنا مسيرة نيقوديموس بأن الإيمان قد يبدأ خجولا، مترددا، لكنه إذا استجاب لنعمة الله ونما بالصلاة والبحث الصادق، يتحول إلى قوة وشهادة. القديس كيرلس الإسكندري يرى في نيقوديموس مثال النفس التي «تنتقل من ظل الناموس إلى نور النعمة»، أي من التردد إلى الإمتلاء. كم من مؤمن اليوم يعيش إيمانه في الخفاء، مترددا في ترجمته إلى موقف! نيقوديموس أعلن إيمانه بوضوح بعد صلب المسيح وموته، وكأنه يقول لكل منا: لا تخف أن تنضج، وأن تتحول، وأن تعلن إيمانك بالمسيح حيثما كنت، وتبشر به. النسوة الحاملات الطيب هن قلب هذا العيد. لقد تبعن الرب حتى الصليب، وبقين عند القبر، ثم جئن فجر الأحد باكرا جدا، حاملات الطيوب ليدهن جسد يسوع. لم يكن ينتظرن قيامة، بل كن ذاهبات ليكملن واجب المحبة. مع ذلك، صرن أولى الشاهدات للقيامة. يقول القديس غريغوريوس النيصصي إن «المحبة سبقت المعرفة»، فالنسوة لم يفهمن السر بعد، لكنهن أحببن، فاستحققن أن يعلن لهن السر. هنا تكمن دعوة عميقة لإنسان اليوم: ليس المطلوب أن تفهم كل شيء، بل أن تحب وتثبت في الإيمان والمحبة. في زمن الشكوك والأسئلة الكثيرة، يبقى القلب الأمين هو الطريق إلى لقاء الرب القائم”.

وقال: “النسوة يواجهن سؤالا عمليا: «من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟» لأن الحجر كان عظيما. مع ذلك لم يتراجعن. عندما وصلن، وجدن الحجر قد دحرج. هكذا يعمل الله: لا يطلب منا أن نحل كل المعضلات قبل أن نتحرك، بل أن نخطو خطوة الإيمان، وهو يتكفل بما يعجز عنه الإنسان. يقول القديس أفرام السرياني إن «النعمة تسبق الذين يسيرون نحوها»، أي إن الله يهيئ الطريق لمن يطلبه بصدق. عندما دخلن القبر، لم يجدن جسد الرب، بل سمعن البشرى: «قد قام، ليس هو ههنا». غير أن الخوف والدهشة استوليا عليهن، «فخرجن سريعا وفررن من القبر وقد أخذتهن الرعدة والدهش، ولم يقلن لأحد شيئا لأنهن كن خائفات». هذا الخوف ليس ضعفا مذموما، بل رهبة أمام الحدث الإلهي الذي يفوق الإدراك. إن اللقاء الحقيقي مع الله يهز الإنسان، يخرجه من منطقه المألوف، ويدعوه إلى مسيرة جديدة. هنا يبدأ التحول من الصمت إلى الكرازة، ومن الخوف إلى الشهادة، كما نراه لاحقا في حياة الكنيسة. هذا يقودنا إلى نص أعمال الرسل الذي سمعناه اليوم، حيث نرى الكنيسة الأولى تعيش هذا التحول عمليا. المحبة التي ظهرت عند القبر، في خدمة الجسد المصلوب، تتحول الآن إلى خدمة يومية للأرامل والمحتاجين. حين حدث تذمر بسبب إهمال بعض الأرامل، لم يتجاهل الرسل المشكلة، بل نظموا الخدمة وأقاموا سبعة شمامسة «ممتلئين من الروح القدس والحكمة». القيامة ليست فكرة لاهوتية مجردة، بل حياة تترجم محبة وخدمة وعدالة واهتماما بالآخر. الكنيسة التي عاينت القبر الفارغ وتبشر بالقيامة لا تترك إنسانا في العوز مهملا”.

أضاف: “إن الرابط بين النصين واضح. فالذين أحبوا المسيح في موته، يخدمونه الآن في جسده الحي، أي الكنيسة. يوسف ونيقوديموس قدما ما لديهما لتكريم الجسد، والنسوة قدمن الطيب، والشمامسة في أعمال الرسل يقدمون خدمتهم اليومية. الكل يشترك في محبة تتجسد في فعل. يقول القديس باسيليوس الكبير: «الإيمان بلا محبة هو إسم بلا حقيقة»، أي إن الإيمان الحقيقي لا بد من أن يظهر في خدمة ملموسة. اليوم، كل مؤمن أمام سؤال: أين أنا من هؤلاء؟ هل أنا كيوسف، مدعو إلى جرأة إعلان الحق في محيطي؟ أم كنيقوديموس، مدعو إلى الخروج من خوفي إلى نور الشهادة؟ أم كالنسوة، مدعو إلى الثبات في المحبة رغم غموض الطريق؟ أم أنا مدعو إلى خدمة عملية في الكنيسة، كالشمامسة، حيث تترجم المحبة عناية يومية بالآخرين؟ إن عالمنا اليوم مليء «بحجارة على أبواب قلوبنا» تبدو ثقيلة: أزمات إقتصادية، تعب نفسي، فقدان ثقة، صراعات وحروب وكوارث… لكن ما حصل مع حاملات الطيب يعزي كل من يواجه عقبة في الطريق، لأن الحجر يدحرج، والقبر لا يبقى مغلقا. لكن هذه الحقيقة لا تعطى للمتفرجين، بل للذين يسيرون حاملين طيبهم، أي قلوبهم وأتعابهم وصلواتهم، ويأتون إلى المسيح رغم كل شيء”.

وختم: “فلنحول حياتنا إلى شهادة حية للقيامة في بيوتنا وأعمالنا وكنيستنا. فالمسيح القائم لا يزال يطلب، لا في قبر، بل في كل موقف مع الحق، وكل شهادة للخير، وفي كل إنسان محتاج، وفي كل خدمة أمينة، وفي كل قلب يحب بصدق، حتى النهاية”.


Related Posts

None found


Post Author: SafirAlChamal