معراب مقابل بيروت!.. وسام مصطفى 

في لحظة سياسية بالغة التعقيد، وبينما يمر لبنان بمرحلة وجودية هي الأخطر في تاريخه الحديث، أطل “مؤتمر معراب 3” بدعوة من رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع ليعيد طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة المواجهة السياسية في البلاد، والأهداف الحقيقية الكامنة خلف كواليس التجمعات “السيادية”. لكن، وخلافاً لما كان يطمح إليه المنظمون، جاء المشهد ليسقط القناع عن تصدع “الجبهة السيادية” نتيجة غياب الوازنين وليؤكد أن العزلة لا تصنع زعامة وطنية، وأن محاولة استبدال “مركزية الدولة” بـ “مركزية حزبية” هي مقامرة قد تطيح بما تبقى من سلم أهلي هش.

 

لم يكن “مؤتمر معراب 3” مجرد لقاء سياسي عابر، بل أُريد له أن يكون استفتاءً على زعامة مسيحية ووطنية للمعارضة. إلا أن النتائج جاءت مخيبة لآمال الداعين. فغياب أوجه من صلب البيئة “السيادية” مثل النائبين سامي ونديم الجميل وفارس سعيد، إلى جانب غياب شخصيات تمثيلية سنية أساسية، لم يكن مجرد صدفة بروتوكولية، بل كان رسالة سياسية واضحة مفادها: “لبنان لا يُقاد من زاوية واحدة، والاصطفافات الحادة التي لا تراعي الحساسيات الوطنية مرفوضة”.

هذا الغياب نزع عن المؤتمر صفة “الإجماع المعارض”، وحوّله إلى لقاء من لون واحد يفتقر إلى التنوّع الذي يحتاجه أي حراك وطني حقيقي، كما أن استنكاف هذه الشخصيات، التي تتفق مع جعجع في العناوين العريضة للسيادة المقنّعة ولكن تختلف معه في النهج، يشير إلى إدراك هذه القوى بأن مسار معراب يؤدي إلى الصدام لا إلى الحل.

 

إلا أن أخطر الأبعاد التي حملها مؤتمر معراب ٣ هو البعد الرمزي للجغرافيا. لقد أراد جعجع من هذا اللقاء تحويل معراب إلى محجة سياسية بديلة عن العاصمة بيروت.. فلطالما كانت بيروت المساحة التي تحتضن التناقضات وتصهرها في قالب وطني، هي المدينة التي تعكس روح “لبنان الدولة” بهويته العربية وانتمائه الوطني الجامع. 

في المقابل، يمثل الإصرار على عقد المؤتمرات في معراب محاولة لفرض “مركزية جغرافية” ذات طابع فئوي ومناطقي، مما يوحي برغبة في الانكفاء عن العاصمة التي تمثل التعددية نحو الجبل الذي يمثل الخصوصية.

 

إن إصرار جعجع على تهميش دور بيروت في صناعة القرار الوطني يمثل ضربة لتاريخها المقاوم، ليس فقط ضد الاحتلال، بل ضد كل محاولات التقسيم، فبيروت هي التي كرّست الانتماء العربي للبنان، وما محاولة سحب البساط من تحت قدميها لصالح مراكز نفوذ حزبية مغلقة إلا تمهيد نفسي وسياسي لمشروع الانفصال الذي يلوح في أفق طروحات القوات اللبنانية.

في هذا السياق، لم يأتِ موقف وليد جنبلاط من فراغ حين رأى أن هذا المؤتمر يساهم في تذكية أجواء الحرب الأهلية. 

ففي بلد محكوم بالتوازنات الطائفية الدقيقة، فإن أي خطوة تهدف إلى تأليب شرائح لبنانية ضد أخرى تحت عناوين “نزع السلاح” أو “تطبيق القرارات الدولية” أو السعي لعزل مكوّن أساسي في تشكيل البلد خارج إطار التوافق الوطني الشامل، هي وصفة جاهزة للانفجار.

 

إن خطاب معراب، في جوهره، لا يخاطب “الآخر” الوطني، بل يحرّض عليه. وهو بذلك يسقط في فخ الشرذمة بدلاً من البناء، فبدلاً من البحث عن مساحات مشتركة لإنقاذ الدولة من الانهيار الأمني والاقتصادي والسياسي، ذهب المؤتمر نحو خطاب تصعيدي يستحضر أدبيات ما قبل اتفاق الطائف، مما يعزّز الشعور بالتوجّس والخوف المتبادل بين المكوّنات اللبنانية.

 

الفدرلة والتقسيم: الأجندة الخفية

خلف شعارات السيادة وتطبيق القرار 1559، تبرز بوضوح ملامح مشروع “الفدرلة” أو التقسيم المقنّع الذي طالما نادى به جعجع بشكل أو بآخر، كما أن الخطوات الممنهجة التي يتبعها رئيس القوات، من الانكفاء الجغرافي إلى خطاب المجتمع الصافي، تصب كلها في خانة تسويق فكرة أن “العيش المشترك قد سقط”، وأن الحل يكمن في كانتونات طائفية مستقلة.

 

هذا المشروع لا يشكل خطراً على فريق سياسي بعينه، بل يشكل خطراً وجودياً على “لبنان الكبير”. 

فالفدرلة في السياق اللبناني الحالي ليست تنظيماً إدارياً، بل هي شرعنة للتقسيم النفسي والمكاني، وهي اعتراف صريح بالعجز عن بناء دولة المواطنة. 

إن ما يقدم عليه جعجع اليوم هو محاولة لفرض حال الشرذمة كأمر واقع، مستغلاً الأزمات المتلاحقة لإقناع بيئته بأن “الخلاص في الانفصال”. ولا يمكن قراءة مؤتمر معراب بمعزل عن محاولة طمس التاريخ الوطني المقاوم للشخصيات والرموز اللبنانية التي ناضلت من أجل عروبة لبنان ووحدته. المؤتمر حاول تقديم تعريف جديد “للوطنية” يمر حصراً عبر البوابة القواتية، ملغياً بذلك إرثاً كبيراً من الحركات السياسية والقوى اليسارية التي احتضنتها الطوائف اللبنانية جميعها، والتي رأت في لبنان دائماً جسراً نحو محيطه العربي، لا جزيرة معزولة تبحث عن حماية خارجية.

 

إن استهداف الهوية العربية للبنان، من خلال ربطها بمشاريع “التبعية”، هو تزييف للحقائق. فالانتماء العربي هو الضمانة لبقاء لبنان ككيان فاعل، بينما الانكفاء نحو المشاريع الطائفية الضيقة لا يخدم سوى أعداء لبنان الطامعين في تفتيت المنطقة إلى دويلات متناحرة.

إن أي نظرة تحليلية لمؤتمر معراب ٣ تقودنا إلى نتيجة واحدة: هذا المسار لا يسهم في بناء الدولة، بل في تدمير ما تبقى من ركائزها، وان القفز فوق التنوع الوطني، وتهميش العاصمة بيروت، واستعداء مكوّنات أساسية في المجتمع اللبناني، هي كلها سلوكيات تؤدي إلى الشرذمة لا إلى “السيادة”. 

 

إن لبنان اليوم بحاجة إلى لغة الوصل لا الفصل، وإلى مؤتمرات تُعقد في قلب بيروت، تجمع ولا تفرّق، وتبحث عن حلول مصيرية لديمومة الكيان اللبناني واقتصادية واجتماعية تهم المواطن وتحمل له الحلول والمعالجات، بدلاً من الدخول في مغامرات سياسية تعيد عقارب الساعة إلى زمن المتاريس. 

إن مشروع الفدرلة والتقسيم الذي يُروج له تحت غطاء “معراب” هو مشروع انتحاري لن يجد له صدى في الوجدان اللبناني الأصيل، الذي يؤمن بأن قوة لبنان في تنوعه ووحدته وإيمان أبنائه باستقلاله وسيادته الحقيقية، لا في جدران العزلة التي يحاول البعض بناءها.

 

ويبقى الرهان على وعي الشخصيات الوطنية السيادية الحقيقية التي تدرك أن مصير لبنان معلق بقدرته على الحفاظ على صيغة العيش المشترك، وعلى من ينساق وراء مقولات جعجع أن يعي أن التمسّك بخيار الصدام والانكفاء سيضع أصحابه خارج سياق الإجماع الوطني، وأن الطروحات التي تخدم “المشروع الصغير” على حساب “الوطن الكبير” ستسقط، لان لبنان أصغر من أن يُقسّم وأكبر من أن يُبلع.

 

 

 

Post Author: SafirAlChamal