على امتداد التلال والوديان التي ترسم حدود الكرامة في جنوب لبنان، لا تدور اليوم مجرد معارك عسكرية وفق معادلات روتينية لتبادل النيران، بل تُكتب ملحمة وجودية تتجاوز في أبعادها الجغرافيا اللبنانية لتلامس جوهر الصراع على هوية المنطقة بأسرها.
ما تسطره المقاومة في القرى الحدودية على تخوم فلسطين السليبة تجسّد في حقيقة الصراع السد المنيع الذي يواجه مشروعاً صهيونياً لم يعد يخفي أنيابه، وانتقل بوقاحة من التستّر بتبريرات أمنية واهية إلى الجهر العلني بتنفيذ استراتيجية الابتلاع الصريح والممنهج.
اعتاد بنيامين نتنياهو اللعب على أوتار التفرقة الطائفية لتمزيق النسيج العربي والاسلامي، وما تصريحاته الأخيرة حول استهداف “المحور السني” بعد الفراغ من القضاء على “المحور الشيعي” إلا مؤشر حقيقي على سقوط ورقة التوت الأخيرة عن استراتيجيته الحقيقية..
إنه اعتراف صريح بأن العدوان الذي يشنه الحلف الأمريكي – الصهيوني على إيران ولبنان لا يستهدف بلداً أو فصيلاً بعينه أو طائفة بذاتها، بل يستهدف الوجود العربي والإسلامي وإسقاط سيادته وسلبه قدرته الجماعية على الممانعة ورفض الهيمنة.
ما يحدث في الجنوب اللبناني اليوم ليس شأناً فئوياً أو صراعاً ذا بعد محدود برقعة جغرافية لبنانية، بل هو دفاع عن السيادة العربية والاسلامية كلّها من بيروت إلى القدس وعمّان ومن القاهرة إلى بغداد وأنقرة وعواصم العرب والمسلمين كلها، وليس فقط دفاعاً عن قرى الجنوب والبقاع.
لطالما اعتمدت الاستراتيجية الإسرائيلية سياسة الاستفراد، حيث يتم استنزاف كل مكوّن من مكوّنات الأمة على حدة، ليجد الجميع أنفسهم في نهاية المطاف أمام واقع “الشرق الأوسط الجديد” الذي تُرسم حدوده بالدم والنار، ويخضع بالكامل لمشيئة الاحتلال، وهو ليس مشروعاً وليد اللحظة الراهنة بقدر ما هو تجسيد لمخطط تاريخي جاهرت به الادارات الامريكية والاسرائيلية منذ عهد رونالد ريغان وشيمون بيريز وقبلهما حتى اليوم.
وتأتي تصريحات المسؤولين الأمريكيين، وعلى رأسهم سفير واشنطن في تل أبيب مايك هاكابي، لتعطي الغطاء الأيديولوجي لهذا التوسع، وما الحديث عن “حق إسرائيل في التوسع والهيمنة” بناءً على تفسيرات مشوهة لنبوءات تلمودية إلا مؤشر حقيقي يعكس عقلية استعمارية تريد تحويل المنطقة العربية من دول ذات سيادة إلى مشاع جغرافي مفتوح للمستوطنين.
من هنا فحين تتحول الأساطير التلمودية إلى سياسة رسمية تتبناها “قوى عظمى”، تصبح المقاومة المسلحة هي الملاذ العقلاني الوحيد لحماية الواقع والتاريخ والإنسان، وهذا الطموح الإسرائيلي الذي يرى في الخريطة العربية مجرد مساحة للتمدّد “من النيل إلى الفرات”، يجد اليوم في صمود المقاومين في الخيام وعيتا الشعب، ومارون الراس، والناقورة صخرة صلبة تتحطم عليها أوهام العظمة، فكل ملحمة يخوضها المقاومون في المواجهة من “مسافة صفر” هي تكذيب عملي وميداني لمزاعم الحق التاريخي في استباحة الأرض.
المقاومة في الجنوب اليوم تمثل الترجمة الحقيقية والوحيدة لمفهوم السيادة الوطنية، وفي ظل عجز وتواطؤ المجتمع الدولي المريب وصمت المؤسسات الكبرى التي تدعي الحرية وحقوق الإنسان، يظل الميدان هو الضمانة الفعلية لمنع حلف ترامب – نتنياهو الإجرامي من تحويل لبنان إلى مجرد “جبهة ملحقة” أو ساحة مستباحة للقتل والعدوان.
لقد أثبتت المواجهات المباشرة أن أحدث الترسانات العسكرية لا يمكنها كسر إرادة إنسان يدافع عن منزله وحق أطفاله في الحياة، وبالتالي فإن صمود الجنوب يعني إفشال مشروع إعادة صياغة المنطقة، ويؤكد أن حدود الدول ترسمها تضحيات الشعوب لا تصريحات غرف الإرهاب المغلقة.
إن لبنان الكيان والجنوب الجبهة هما اليوم بوصلة الأمة، والملاحم التي يخوضها أبطال المقاومة هي الرسالة الأبلغ لترامب ونتنياهو وللمبشرين بـ”الابتلاع” بأن لبنان ليس لقمة سائغة، والشرق ليس مسرحاً لتحقيق أساطير غابرة. إنها معركة الدفاع عن الوجود والهوية، معركة تتوحد فيها الآمال والآلام لتقول للعالم إن “المحاور” التي يحاول العدو تمزيقها، تلتقي اليوم عند فوهة بندقية واحدة تحمي الأرض، وتصون الكرامة، وتسترد السيادة المسلوبة. إن الجنوب اليوم هو قلب الأمة النابض، ومنه يبدأ فجر التحرير الحقيقي.




